الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩١،
للمأموم والإمام، ومُسْقِطه عن المأموم بحجة حمل الإمام إياه كسائر ما يحمله محتاج إلى دليل توقيفي، وإن قلنا: إن المأموم يرفع عنه إمامه بعض صلاته وقدوة له في بعضها فصار سهوه كالحمل على عاتق الإمام، لكن البعض المحمول، عنه إنما حمله بتوقيف من الشارع مع أن القلب فارغ لمعاني ذلك المحمول متعقل له غير ذاهل عنه، فلا يقاس السهو عن جميع أقوال الصلاة وأفعالها بما يحمله الإمام عن مأمومه، إلا ببيان من الشارع، وأمر العبادات أمر توقيفي لا يحصره قياس، ولو صح القياس في هذا لصَحَ في سائر أجزاء الصلاة قولاً وفعلاً، ولا قائل به.
على أنّ هذه الصلاة التي قال الشيخ أبو جابر رحمه الله: إنها غير
منتقضة، إنما هي صلاة حكمية جاء بها المأموم مقتدياً بإمامه الحركات والأعمال الظاهرة غير ناقصة ولا زائدة، وقد حَصَنَتْها التبعية من التغير الظاهر، فهي في حكم الظاهر تامة، كأن الشيخ لم يعتبر اشتغال القلب مفسداً في الحكم الظاهر، فنسبتها إلى التبعية هي جَعَلَتْها في ضمان الإمام فصار كالحامل لها، فتمامها عند الشيخ هذه الصورة تمام حُكمي. الاعلى
التي
على
والشيخ محمد بن المسبح لم يعتبرها إلا منتقضة، بحجة أن الأمر موقوف على الفهم والتعقل، ولا تغني عنه متابعته في الأفعال الظاهرة شيئاً، إذ هي وإن كانت في نفسها عبادة لكنها جسم بلا روح إذا لم تباشرها روح الخشوع والحضور مع معاني الأقوال، فهي ميْتٌ لا نفع به، وكلامنا على الاسترسال مع الخواطر لا على مجرد الخواطر، إذا حصلت للمصلّي المدافعة والممانعة معها، ولم تنطبق عليه انطباقاً لا إفاقة له معه، فنفس الخواطر ليس من مقدور العبد التحصن منها ألبتة، ولكن في مقدوره مدافعتها وكسح ما يتغشاه منها فيكنف عنه صور المعاني المراد استحضارها وتعقلها، إذ الخشوع المشروع لا يتأتى إلا بفهم المعاني التي ينقاد لها القلب، والفهم ممتنع مع الاسترسال في الخواطر، وحينئذ يترتب فساد الصلاة على الاسترسال في الشواغل عن
291