الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٤يضربه غيرهِ لِقصَرِ الفرجة؛ فقد قيل: إذا كان مثل هذا بين الإمام والصف، أو بين الصفوف فَسَدَت الصلاة.
فالأصل في هذا والله أعلم هي الهيئة التي ثبتت عليها صلاته عليه الصلاة والسلام، وهي الهيئة التي كان يقرر عليها المأمومين من الإثنين فصاعداً خلفه، كما في حديث صلاةٍ جابر بن عبد الله وجبار بن صخر، وكما قال ابن عبّاس كان رسول الله إذا كان يصلي وحده فجاء رجل يصلي خلفه أقامه عن يمينه، فإن جاء آخر أشار إليهما أن يتأخَّرا خلفه، ويقول: إذا كنتم ثلاثة فليتقدّم أحدكم عن صاحبيه يؤم بهما»؛ أي: يجعلهما خلفه لا يمينه.
فقوله: «أن يتأخَّرَ خلفَهُ»؛ وقوله: «فليتقدَّمْ أحدُكم يؤخذ منه أن ذلك التأخر والتقدّم لا بد وأن يكون إلى غاية قد تقررت وعلمت من فعله عليه الصلاة والسلام، يدل له أنّه لم يحدّد للمأمورين حَداً مؤقتاً لغاية، ولكنه علم أن القوم قد علموا تلك الفرجة من فعله المستمر، فالمحدّدون بالمربَضَين علموا تلك الفرجة فمثلوها للناس تقريباً لا تحقيقاً، إذ لو كان تحقيقاً ضاقت على الناس صلواتهم ولحقهم ضرر مخالفة السُّنّة، وقد تختلف أجسام الشياه والثيران ضخامة وصغراً، كما أنه تختلف قامات الناس طولاً وقصراً، فقد لا يكفي مربض الشاة طولاً مُصَلَّى للرجل الطويل، وبهذا يظهر أنّ التحديد تقريبي، والتحقيق ما ذكرتُه من كون الفرجة المشروعة أقلها أن لا يتضرر الرجل بمن قدامه ولا يتضرر منه مَنْ خلفه.
،
وذكر (المص) رحمه الله أنّ أقلها شاةٍ أو مَرْبَضُها، وأنَّ الممر والمَرْبَضَ متقاربان، وأنَّ أكثرها مَرْبَضُ ثورٍ.
وأقولُ: مربض الشاة طولاً؛ أعني من مؤخرها إلى صدرها، وما زاد عليه من مسافة من مَحَط صدرها إلى ما يوازي طرف خرطومها، فما يُشغله هذا المقدار من الحَيّز لا ريب في أنه أطول من الحيز الذي يُشغله مرورها عليه، ومن هنا أيضاً يظهر لَكَ أنّ هذه المقايسة تقريبية كما
هي
294