نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٠٧

فإن قيل: الحديث نَص ظاهره الإطلاق في الغلمان، فما بال

المأمون منهم على الطهارة ومعاني الصلاة وهو لم يخرج عن كونه غلاماً؟ قلت: رسول الله صلّى بابن عباس وهو غلام فاعتبره مأموماً لعلمه أنه مُحكم للطهارة مُراع لمعاني الصلاة، فانعقدت به جماعة وسد مَسَد مأموم، وإقامه المقام الذي هو سُنّة المنفرد مَعَ الإمام، وهذا القدر من اعتباره إيَّاه مُوَفِّياً بالصلاة كافٍ لأن يجعلَهُ يَسُدّ فرجةً في الصف، وأعظم من ذلك رتبةٌ في الاعتبار تَوْلَيَتُه عَمْرو بن سلمة إماماً على الحي من قومه لأنّه أقرؤهم وهو صبي، فمن كان كافياً لرتبة الإمامة لم تضق به رتبة سَدَّ الفرجة، وموضِعُ الإمامة موضعها من المقام والشَّرَف، سيما والناصبُ له محمّد حجة الله في أرضه على عباده صلواتُ الله وسلامه عليه، وَمَن تأهّل لأن تكون درجة اعتباره كافية لوظيفة الإمامة في الصلاة وإيفاده وفداً عنهم إلى الله سبحانه؛ تأهل لأن يكون ساداً لفرجة في صَفْ، على أن الشرع قد أوجَبَ اختيار الأقرأ الأفضل للإمامة ولم يوجبه لسد الفرجة

ثم إنَّ الحديث يحتمل بظاهره أن يجعل دليلاً على عنايته بتقديم الفاضل على المفضول في الصلاة، وتَقَدَّم حديث: «ليلني أولو النُهَى» في نظائره، فأمر عليه السلام بتأخير الغلمان لأفضلية الرجال عليهم، وذلك إذا تمت الصفوف، أما إذا قصر الصف فلا يقام بالغلمان صف، والصف الذي هو قدامُهم ناقص محتاج إلى التكميل، ويحتمل أن يحمل المراد على الغلمان الذين يُخاف منهم عدم استيفاء الطهارة ومراعاة شرائط الصلاة، فأمر بتأخيرهم حرزاً لصلاة الناس وحرصاً على سدّ الفُرج لو وقعت بالمتأهلين.

أخر

وبالجملة فالصبي المأمون يصح به سد الفرجة في الصف والله

أعلم.

وأما فاسد الصلاة؛ كما لو صلى بغير طهارة، أو طرأ عليه في صلاته ما يُفسدها وكان في خلل الصف، فلا يخلو إما أن يكون في

307

٨١٨ / ١٬٦٨٣