الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٣الكمالية بما أبدع فيها من القُوَى المُبصرة المميزة، فأقام حجته على المكلفين من طريق عقولهم بحسب قواها المدركة؛ كما أنه دَلّ على ما يجب له وينتفي عنه وعلى وظائف دينه وسبيل طاعته، من طريق الخطاب بواسطة الرُّسل والوحي مبيناً ما لا تصل العقول إلى إدراكه من
ذواتها.
وإذا أمعنت الفكر في نظام المُبْدَعات ومطلق المصنوعات؛ وجدتها
،
دلائل واضحة قد نصبها ليدلّ بها إلى وجوده وقيوميته، وعظيم قدرته ووجوب وحدانيته، وغناه عن الحوادث كما لو افتكرت في أحياء عالم الكون والفساد وكيف تهتدي إلى مصالحها واجتناب مضارها، فالعاقل منها بعقله، وغير العاقل بما يفيضه عليه من الإلهام، حتى الشَّجرة الحية تجد عروقها تميل في نموها في باطن الأرض إلى الثرى اللَّدنِ اللين وتصدّ طبعاً عن الكُدَى والحجر، والتُّراب اللدن لما تغتذي به من رطوبته، تميل إليه وتحترز عن التُّراب اليابس، وهذا يدل على أن الشَّجرة التي شاركت جنس الأحياء في النُّمو لها نفس لا تخلو من إحساس، ولهذا الإحساس نصيب من الإلهام الرباني يدلّها إلى ما تصلح به، ويكفيها عمّا تتضرّر منه، وإذا 5 هذه الدلالات كلها كيفما تنوعت لا تصدر إلا عن الصَّانع الحكيم اللطيف الرَّحيم الرَّبِّ الكريم، ولا يحتمل إلا أن يكون صدورها منهياً للبصائر إلى مبدع الكل ليدل الخلق إليه:
كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أنْ أُعْرَفَ فخلقت الخلق ليعرفوني».
وإذا تحقق كون الخلق دليل الحق، وهو ناصب الدليل، فهو الدليل الحقيقي إذ حقيقة الدليل من يدل على المجهول، فلماذا لا يقال بهذا الحكم العقلي أنه تعالى هو الدال والدليل، وناصب الدلالات دليل بطريقة اللزوم. غاية ما فيه أن لا يفرد عن الإضافة والصلة بما بعده، لعدم وروده في أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، وقد علمت القول بأن أسماءه توقيفية. وقد جاء كثير من أسمائه الأفعالية متصلة
83