الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٨وحكماً، وما شَغَلَه مِنْ حَيّز في ضمان الغاصب الصواب لمفارقته حكم الله.
ويبعد هذا
من
وقيل: إنّ المُصَلَّى حكّم المسجد في الواجب والمباح والمحجور، والأرض مسجد لمن لم يجد مسجداً في حاله ذلك، ترابها طَهُورٌ كرامة خص الله بها أمة محمد لكرامته عليه الصلاة والسلام على ربه جل شأنه، والحمد لله الذي أنْعَمَ عَلَينا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبمفصلات أحكامه.
أقول: إنّ الشَّذَرَاتِ التي نثرناها هنا من سلك نظام الجوهر، وإن جَلَّتْ خَطَراً في بابها واستوفت جملاً في الموضوع لكنها محتملة للإكمال، فنجري هنا على قانون كتابنا من توسيع الفروع في العلم النافع، ونفضّل كلاً منا حسب مذهبنا إلى مسائل:
المسألة الأولى: ذكر الله المساجد وسماها بيوتاً، واتصف سُبحانه بأنّه أذِنَ أَنْ تُرفَعَ ويُذكر فيها اسمه، وإذنه سبحانه هنا أمرُه ورَفْعُها بناؤها، ومنه قوله تعالى: أم السَّمَاء بَنَهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَونَهَا} [النازعات: 27 - 28]، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾ [البقرة: 127]. وفَسَّرها ابن عباس بالمساجد أمر الله أن تُبْنَى، وعليه فبناء المساجد في
القُرى واجب على أهلها على قدر طاقتهم وكفايتهم إن استطاعوا. ألا ترى أنه بنى مسجده بالمدينة بعد بناء مسجد التقوى، وأمر بالبناء، ولا ترى قرية من قرى الإسلام المعتبرة إلا وفيها مسجد، و مباشرته للبناء، وأمره للصحابة بالبناء، وتنويهه عليه السلام بشرف المساجد وفضلها، وأمره بطهارتها وتعظيمها وتجريدها لمطلق العبادات من الأمور المباحة، فضلاً عن الأمور المحجورة والأقذار الحسية والمعنوية، وإضافة الله إياها إلى نفسه؛ فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]. كل هذا من الدلائل على قوة القول بالوجوب مع قول ابن عباس: هي المساجد أمر الله أَنْ تُبْنَى.
338