نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٣٩

وأقول: القول بوجوب بناء المساجد هو الصحيح، لأنّ حقيقة الرفع في الأشياء المحسوسة، وفي الأشياء المعقولة مجاز، وصرف الحقيقة عمّا وُضعت له إلى غيره مع صحة إجرائها فيه مفتقر إلى موجب قوي. وما ذكره المفسّرونَ عن الحَسَنَ: ما أمَرَ الله أنْ تُرفَعَ بالبناء ولكن بالتعظيم محتمل عَلَى أنه يحتمل أن يكون مراد الحسن أنّ الله لم يأمر برفع بنائها وتشييده إلى الحد المنهي عنه من الإسراف والبذخ كما فعله المسرفون من ملوك أمَيَّة في الجامع الأموي بدمشق، وكما فعله غيرهم في ممالك الإسلام، فليس هذا التأنق والتشييد من الرفع الذي أمر الله به، ولو كان منه لفعله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الدولة الفاروقية في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فَتَحَتْ لهم الدنيا أبواب خزائنها، وسالت سيول الذهب والفضة إلى بيضة الإسلام المدينة المنورة ولم يزد مسجده عليه السلام يومئذ على الطين والجذع، كلا ليس ذلك شعار الإسلام فيحتمل أن الحسن ذَهَبَ إلى بناء الإسراف والمفاخرة والمباهاة لا إلى القطع بأنّ الله لم يأمر بإيجاد المساجد، ولم أجد في معقولي أن عاقلاً يقول هذا، إذن يصح أنه بنى مسجد قباء ومسجده بالمدينة، ولم يأمر الله، وحاشاه أن يأتي أو ينذر بغير أمرٍ من ربه، بل مباشرته للبناء وأمره به وتقريره لمن بنى مسجداً كُلّ ذلك إيجاب منه، فالاقتصار على الندب كصنيع (النيل) وغيره من أثار الأصحاب، كل ذلك توفيق وتطبيق على الاحتمال، فتبصر وحقق، وفقنا الله وإياك.

وممّا يؤيّد مذهَبَ الوجوب قوله: «ابنوا المساجد وأخَرْجُوا القمامة منها، فمَنْ بَنَى الله بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنّة، وإخراج القمامة منها مُهُورُ الحُورِ.

ووصف كيفية المساجد اللازم كونها فقال: «ابنوا مساجدكم جماً، وابنوا مدائنكم مُشَرَّفة، وإذا أمَرَ الشارع بصفة يكون الشيء عليها فهو أمر بذلك الشيء باللزوم، إذ لا تتحقق الصفة ولا تتصور إلا بموصوف متحقق مُتَصَوَّر موجود في الخارج، فمقتضى الحديث الأمر

339

٨٥٠ / ١٬٦٨٣