الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٦قال الزبير بن بكار: سمعت العُمَري يقول: رَدُّوا أولادكم الشعر فإنّه يحل عقدة اللسان، ويشجّع قلب الجَبَانِ، ويُطلِقَ يَدَ البخيل ويحض على الخُلُقِ الجميل.
وكان ابن عباس يقول: إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعارِ العَرَبِ، فإنّ الشعر ديوان العرب». وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنْشَدَ فيه شعراً.
وكانت عائشة رضي الله عنها كثيرة الرواية للشَّعر، يقال: إنها كانت تروي جميع شعر لبيد.
وقال: «لا تَدَعُ العربُ الشَّعر حتى تدع الإبلُ الحنين». وناهيك أن كعب بن زهير أنشده البردة في المسجد فعفى عنه وخلع عليه بردته. وقال للأعشى بعد إنشاده: «لا فُضَ فوك» فعاش مئة عام لم تنقب له سن. والحديث: «إنّ من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحراً». متواتر. وكان أبو السائب المخزومي على شرفه وجلالته وقدره وفضله في الدين والعلم يقول: «أما والله لو كان الشعر محرماً لَوَرَدْنا الرحبة كُلّ يوم مراراً؛ والرحبة الموضع الذي تقام فيه الحدود، يريد أنه لا يستطيع الصبر عنه فيحدّ في كل يوم مراراً ولا يتركه. وإنما أطلنا الكلام في مادة الشعر وشرفه ليُعلم أن المنهي عنه إنشاداً المسجد، بل وفي غيره، هو ما لم يوافق الحق، فلا يغرنك مجمل
الأثر.
وعن أنس: «نُهِيَ أنْ يتباهى الناسُ في المساجد»؛ فهذا النهي محتمل أن يكون عن المباهاة في بنائها وزخرفتها، ويحتمل كونه عن المباهاة بمعنى المفاخرة بالمآثر والمكارم وما جرى هذا المجرى، كالتفاخر بالأنساب والأموال، حتى بالعلوم والمكانة من الدين والصلاح إذا ذهب به مذهب التعالي والتعاظم؛ وكلا الاحتمالين لعمر الله منهي عنه.
346