الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٣الصلاح والتقوى، وذكر سِيرِ الزهّاد وأهل الانقطاع إلى الله، وذكر مقامات السلوك كالرجاء والخوف والصبر والشكر والخوف واليقين والإخلاص، وذكر هاذم اللذات والحشر والبرزخ وعذاب القبر وأهوال القيامة، وغيره من الأمور الأخروية، وذكر الدنيا وفتنتها والاغترار بزخرفها والتحذير من الركون إليها والاشتغال بها عن الله ووعده ووعيده، فهذا وما يناسبه هو الذي بُنيت له المساجد، وإمضاء الفرص الثمينة به فيها هو عمارتها المطلوبة و إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ امن بالله [التوبة: 18] الآية.
والمعنى الثاني: هو إيجاد ما يحتاجُ إليه المسجد؛ من إصلاح ما فسد منه وبناء ما انهدم، وما يفتقر إليه من مصباح ودهن وحصر وغير ذلك، وإيجاد ما يحتاج إليه عماره فيه، والشأن المطلوب من عمارته أن يكون عامراً في ذاته، عامراً بما بُني له، على أنَّ عمارَتَهُ في ذاته ليست هي المقصودة بالذات، ولكن المقصود بها العمارة المعنوية التي أقيم المسجد لأجلها؛ فكم من مسجد أقيم على أقصى غايات الزخرفة والتأنق، وغاية ما يُرامُ من عمارة ذاته، ولكنّه خَرِب بالنسبة إلى تعطيله من العمارة العُظمى، وقد ردّ الله على قريش افتخارها بعمارة المسجد الحرام، ولم يعتبر سبحانه تلك العمارة التي كانوا يتنافسون فيها ويتيهون على العَرَبِ بها، لأنّهم لم يريدوا بها إقامة الحنيفية الطاهرة التي بُني البيت الحرام لأجلها ولم يعتبر تعظيمهم للبيت وتوقيرهم إيَّاه مع شركهم به، فكانت عمارتهم إياه وتعظيمهم له تخريباً له وتحقيراً، وذهاباً به إلى غير المقصودِ به، فكذلك غيره من سائر المساجد لا يعتبر مجرد إقامتها عامرةً في ذاتها ما لم تُعْمَر بما وُضِعَتْ لَهُ
وأسست عليه.
،
ومن حقوق المسجدِ حفظ الضيف النازلِ به على أهله بما يجب للضيف من الإكرام والتُّزُلِ، يجعلون ذلك النزل من أموالهم على قدر فإن ضاقت أحوالهم دفعوه من مال المسجد إن اتسع ولم
سعتهم
،
يلحق بالمسجد ضرر بسبب إنفاذه منه، فإن كان للمسجد مال
393