نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٠٣

المسجد

وتقدّم حديث أبي هريرة: مَنْ سَمِع رجلًا يَنْشُدُ ضالة في فليقل: لاردّها الله عليك، فإنّ المساجد لم تُبْنَ لهذا»؛ ونَشْدُ الضالة: طَلَبُها برفع الصوتِ، فيدخل فيه كلّ أمرٍ لم يُيْن له المسجد من البيع والشراء ونحو ذلك، وكان بعض السلف لا يرى أن يَتَصَدَّقَ على السائل المتعرض في المسجد، وبالغ مالك فكره البحث العلمي وجوزه أبو حنيفة.

وأقول: تميلُ النفس إلى قول مالك إن أفضَى البحث إلى المناظرة والمشاغبة لما يلزم حينئذ من رفع الصوت، فإن تأتى بدون مشاغبة وكان البحث لمجرد تحقيق الحق وبيانه فهو ممّا بُنيت له المساجد،

نعم إن قُصِدَ بالبَحْثِ علوّ الكلمة والظهور على الخَصْمِ متعرياً من نية

إقامة حجة الحق وإشفار برهانه؛ فصحة النية وفسادها هنا كغيرها من النُّوَى في سائر الأعمال، وحيث فَسَدت النية تساوى في عدم الجواز الرفع للصوتِ وخفضه، وحينئذ يخرج من حدّ الكراهة إلى الحظر من جهة فساد النية، ومن جهة رفع الصوت.

أما رفع الصوت بالحق وطلب تغليبه وإرادةِ رَدُّ المُبطِلِ إليه فلا يكره، وهو محبوب مع الله وملائكته، وقد كان إذا خطب أو ذكر الساعة علا صوته كأنه مُنذِرٌ بجيش، نعم يُمْنَعُ رفع الصوت ولو بحق إذا شوَّسَ عَلَى مُصَلٍ أو ذاكرٍ أو خطيب أو معلّم علماً نافعاً أو قارى قرآن وما أشبه هذا، بل قد يكون رفعُ الصَّوْتِ في المسجد واجباً كمن ينهى فيه عن منكر أو ما لا يباح في المسجدِ، بحيث يكون المنهي بعيداً عن الناهي أو كان أصم أو كان قريباً منه، لكنه ممتلئ السمع بدوي أصوات القراء مثلاً، أو ينتهره بزجرٍ وإزعاج فَيَلْزَمُ زجره رفع الصوتِ. وقد يكون مندوباً كإسماع التلامذة، وكالواعظ المذكر، وكمن يقرأ علماً ليفيد غيره.

وبالجملة فالكلام في المسجد بغير ما بُني لَه لَغُو، وتستثنى الأشياء التي لا تؤذي المسجد؛ كعقد النكاح فإنّه سُنَّة، وكالصلح بين خصمين

403

٩١٤ / ١٬٦٨٣