الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٣قال ابن الأثير: تكرّر في الحديث ذكر القراءة والإقتراء والقارئ والقرآن، والأصل في هذه اللفظة الجمعُ، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسُمّي القرآن لأنه يجمع القَصَصَ، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسُّوَر بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغفران. قال: وقد يُطلِق عَلَى الصَّلاة لأنّ فيها قراءةً من تسمية الشَّيء ببعضه، وعلى القراءة نفسها يقال: قرأ يقرأ قرآناً، وقد تحذف الهمزة تخفيفاً، فيقال: قُرآن وقريت وقارٍ، ونحو ذلك من التصريف.
وأما الخلقُ فأصله التقدير المستقيم، ويُستعمل في إبداع الشَّيء من غير أصل ولا احتذاء؛ قال تعالى: ﴿خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 164] أي أبدعهما بدلالة قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117] ويستعمل في إيجاد الشَّيء من الشَّيء نحو: خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء: 1] وما كان بمعنى الإبداع لا يكون إلا لله تعالى، ولهذا فصل بين نفسه وبين غيره، فقال سبحانه: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 17] ويكون ما كان بالاستحالة لغيره في بعض الأحوال كمعجزة عيسى عليه السلام، والخلق لا يستعمل في كافة النَّاس إلا على وجهين:
أحدهما في معنى التقدير؛ قال:
ولأنت تفري ما خَلَقْتَ وَبَعْـ ـضُ القوم يخلق ثم لا يَفْرِي
والثاني: في الكذب نحو قوله تعالى: {وَتَخلُقُونَ إفكا) [العنكبوت: 17]. فإن قيل: قول الله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ [المؤمنون: 14] دليل على صحة وصف غيره بالخلق. قيل: يمكن أنه أراد تعالى أحْسَنُ المقدّرِين، أو تقديراً وتنزيلاً على معتقدهم، وزعمهم الكاذب أنّ غيره يشركه في الإبداع: سُبْحَنَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوا كبيرا [الإسراء: 43] فكأنه قيل: فاحسب أنّ هنا مُبدعين، وموجدِينَ فالله أحسنهم إيجاداً على ما يعتقدون، كما قال تعالى: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشبَه الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: 16]. وكل موضع استعمل فيه الخلقُ لوصف
93