الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٢٧ما نقل عنه من قَصْرِ الصلاة في كلّ أسفاره، وأنه لم يصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه أتم الصلاةَ في سَفَرٍ قط.
قالوا: وما هذا شأنه فقد يجب أن يكون أحد الوجهين: إما أن يكون واجباً مُخيّراً، وإما أن يكون سُنَّةً أو فرضاً معيناً، لكن يعارض تَعَيَّنَهُ معقولية كونه رخصةً، وكونه رخصة يعارضه اللفظ المنقول؛ قالوا: فيجب أن يكون إما واجباً مخيراً، أو سُنَّةً، وكان هذا نوعاً من طريق الجَمْع، وعللوا حديث عائشة بالمشهور عنها أنها كانت تتم. وبما رواه عطاء عنها: «أنّ النبي كان يتم الصلاة في السَّفَر ويقصر، ويصوم ويفطر، ويؤخر الظهر ويعجل العَصْر، ويؤخر المغرب ويعجل
العشاء».
ومما عَلَّلُوه به أيضاً حديث أنس وأبي نجيح المكي قال: اصطحب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكان بعضهم يتم وبعضهم يقصر وبعضهم يصوم وبعضهم يفطر، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء، ولم يختلف في إتمام الصلاة عن عثمان وعائشة، فهذا هو اختلافهم في الموضع الأول.
أما أصحابنا رحمهم الله فلهم في ذلك قولان: فسماها بعضهم تماماً استدلالاً بحديث عائشة: «أوّل ما فُرِضَتْ الصلاة ركعتان ركعتان في الحضر والسفر … الحديث، وبحديث جابر بن عبد الله: أنه سأل النبي عليه السلام عن صلاة السَّفَر أقصر هي؟ قال: ركعتان في السفر ليستا قصراً، إنما القصر واحدة عند الخوف. وسماها بعضهم قصراً استدلالاً بما روي من سؤال يعلى بن أمية لعمر وجوابه له وقد تقدّم. وممن يقول: إنها تمام أبو محمد بن بركة؛ محتجاً بحديث جابر بن
عبد الله.
قال الشيخ في (الإيضاح): «المفهوم من هذا الحديث، يعني حديث جابر، أنّ القصر في السفر رخصةٌ من الله وتخفيف، لأن السفر له تأثير
427