الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٥موسى عليه السلام مخاطباً به بعد وجوده إذ خُلِقَتْ له معرفة بذلك الطَّلَب، وسَمْعٌ لذلك الكلام القديم الذي هو وصف قائم بذاته، ليس بحرف ولا صوتٍ، بل لا يشبه كلامه كلام غيره، كما لا يشبه وجوده وجود غيره.
فالكلام بالحقيقة كلام النَّفس، وإنّما الأصواتُ قُطِعَتْ حروفاً للدلالات، كما يُدَلّ عليها تارة بالحركات والإشارات؛ قال أهل الحق: ثبت كونُ واجب الوجود تقدّس ذكره حَيّاً فعالاً، فثبت بوجوده حياته وعلمه، وقدرته وإرادته، ورضاه وسخطه وفِعْلُه. ولكل كلام مُقَدَّمات وسوابق ولواحق، فمقدّمات الألوهية الوجود، ولواحقها الأفعال والوجود، والأفعال ليست بصفةٍ، لأنّ الوجود إثبات، والفعل حدوث، وما بينهما صفة، فاستحال أن يكون الحي ولا علم ولا قدرة ولا إرادة ولا رضى ولا سخط، كما استحال أن يكون الرضى والشخط ولا إرادة، والإرادة ولا قدرة، والقدرة ولا علم، والعلم ولا حياة، فأثبتنا حيّاً عالماً قادراً مريداً راضياً ساخطاً لم يزل، إذ لو حدثت الحياة لكان قبلها مَيْتاً، ولو حدث العلم لكان قبله جاهلاً، ولو حدثت القدرة لكان قبلها عاجزاً، ولو حدثت الإرادة لكان قبلها مستكرهاً، ولو حدث الرضى والشخط لكان قبلهما بليداً، فمن أين ارتبط الكلام بالحي لارتباط لزمه؟.
فإن قلتم: لاستحالة حدوث الكلام، ولو صح لكان أخرس قبل حدوثه، والخرس ضدّ الكلام ونقيضه.
قلنا: لا يلزم تحكّمكم لجواز أن يكون من لم يتكلّم ساكتاً لا أَخْرَسَ ليس كالعلم، لأنّ مَنْ لم يكن عالماً فهو جاهل، ومن لم يكن قادراً كان عاجزاً، وليس الخرس بنقيض الكلام، بل نقيضه السكوت، وعلى قولكم فليز مكم أنّ الخلق معه لم يَزلَ، لأنه لو حدث إليه الخلق لكان قبل حدوثه عاجزاً، كما يلزمكم أن تجعلوا الخلق من المعاني
95