نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٤١

قعد في آخر الركعة الثانية قدر التشهد أجزأته، والأُخْرَيَانِ نافلةٌ، وأَسَاءَ بتأخير السلام؛ وليس كذلك عندنا لأنه لم ينو النفل من أول بل نوى أولاً الأربع كُلَّها فرضاً، ولو نوى أولاً الآخرتين نفلاً لَحْ الأوليتان فرضاً على قول من لَمْ يوجب التسليم، فيكون التسليم بعد للنفل، أو مِنْ بعد الآخرتين بمنزلة ما يزيد المُصَلّي بعد تمام التحياتِ التي للتسليم، فيكون التسليم للفرض، ومثل ما رُوِيَ عن يَعْلَى بَنِ ما رُوِيَ عن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لابن عمر: كيف تقصرون الصلاة وقد أمِنْتُم، والله يقول: إن خِفْتُمْ [النساء: 101]؟ فقال ابن عمر: يا ابن أخي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ونحن في ضلال مبين،

فَعَلَّمَنَا، فكان فيما عَلَّمَنا أن نصلي ركعتين في السفر وأمرنا بهما.

أمتة

قلتُ: الأمر المجرّد للوجوب، وما يجعل قرينة على عدم الوجوب من تأويله، ولعلّ مَنْ أخذ صلاة السفر من الآية، جعل قيد الخوف لبيان الواقع، ولكون الغالب الخوفُ حينئذ فلا مفهوم له، فصح القصر في عدم الخوف، لأنه صلى الله عليه وسلم فَصَرَ في الأمن أيضاً، وهذا غير خارج عن كون الشرط قيداً لكن لا مفهوم له.

وزعم أبو حنيفة أنّ عَدَمَ الشرط لا يُفيد عدم المشروط له، بل وجوده يفيد مجرد ثبوت الحكم، فإذا قلت إن قام زيد قمتُ، أفاد أنك قائم لا بد إن قام زيد، وأما إن لم يقم فقد يحتمل أن تقوم وأن لا تقوم، والأدلة هنا أفادت أنه يقصر المسافر أيضاً ولو لم يخف، وإذا جعلنا القصر من الآية فقد تم الكلام في قوله تعالى: {إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوا لكُمْ عَدُوا مبينا [النساء: 101] وما بعده مستأنف في صلاة الخوف السفر والحضر لا في مجرد القصر، والجملة مستأنفة تعليلية؛ كأنه قيل: لأنّ الذين كفروا أي أشركوا؛ أو يَعُمّ الشرك والنفاق يقول الله: لعلمي بعداوة الكفّار لكم أبحث لكم القصر، أو صلاة الخوف؛ والعدو يطلق على الجماعة والواحد والاثنين.

وقرأ ابن مسعود: أن تقصروا من الصلاة أنْ يَفْتِنكم بإسقاط قوله:

441

٩٥٢ / ١٬٦٨٣