الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٢إن خفتم أي: لئلا يفتنكم، أو كراهة أن يَفتِنكم، وقد جاء لفظ (كره) في وصف الله؛ كحديث: «إن الله كره لكم ثلاثاً وغير هذا
الحديث.
وأما على قراءة: «إن خفتم فأن يفتنكم مفعول لخفتم، ويجوز تقدير الخوف في قراءة إسقاطه هكذا: أن تقصروا من الصلاة خائفين أن يفتنكم ومفعول تقصروا على القراءتين محذوف موصوف بقوله: من الصلاة أي أن تقصروا شيئاً من الصلاة، و (مِنْ) تبعيضية، وأجاز الأخفش زيادَةَ (مِنْ) في الإثبات والتعريف، فيكون الصلاة عنده مفعول تقصر و (مِنْ) زائدة، واختير الوجه الأوّل؛ وقيل صلاة القصر مأخوذة من الآية وتم الكلام عليها في قوله تعالى: {أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ * واستأنف في صلاة الخوف قوله: «إن خفتم».
ويدل له ما رُوي عن أبي أيُّوبَ الأنصاري أنه لما نزل قوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ} [النساء: 101] ومَضَى حول، سألوا رسول الله عن صلاة الخوف، فنزل: إِن خِفْتُم أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوا مبينا [النساء: 101]. اهـ كلام القُطب. وإنّما سُقنا كلامه لغرض بيان قطع شبهة الظاهرية،
والحمد لله.
وبالجملة: فقد اختلفت الأمة في مسافة القصْرِ؛ فقال داود وأهل الظاهر: يجوز القصر في قصير السَّفر وطويله، ورَوَى قومنا ذلك عن
أنس، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: أقصر بعرفة. ولم يجوز العامة القصر في السفر القصير إلا أنهم اختلفوا في حَدٌ الطويل؛ فالأوزاعي مسيرة يوم، ورَوَوْا ما قدَّمناه عن ابن عمر وابن عباس من قصرهما بأربعة بُرد وإفطارهما، وإليه ذهب مالك وأحمد
وإسحاق.
وقول الحَسَن والزهري: مسيرة يومين، وإليه ذهب الشافعي فقال:
مسيرة ليلتين قاصدتين ستة عشر فرسخاً، كل فرسخ ثلاثة أميال
،
442