الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٨يقصر اختلافاً كثيراً، حكى فيه ابنُ عبد البر أحد عشر قولاً؛ والأشهر منها مما عدا مذهبنا ثلاثة أقوال افترقت عليها مذاهب فقهاء الأمصار: أحدها: مذهب مالك والشافعي: إذا أزمَعَ المسافر على إقامة أربعة
أيام أتم.
ثانيها: مذهب أبي حنفية وسفيان الثوري: إذا أزمَعَ على إقامة خمسة عشر يوماً أتم.
ثالثها: مذهب أحمد وداود: إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتم. الخلاف سبب بينهم: أنّه أمر مسكوت عنه في الشرع، والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يَسْتَدِلُّوا لمذهبهم من الأحوال المنقولة عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيها
وهو يقصر الصلاة، أو أنه جَعَل لها حكم المسافر.
فالفريق الأول احتجوا لمذهبهم بقيامه في مكة ثلاثاً يقصر في عمرته، ولا حجة لهم بهذا على نهاية القصر، غاية ما فيه جواز القصر الثلاث فما دونها.
واحتج الفريق الثاني برواية أنه أقام بمكة عام الفتح مُقصِراً وذلك نحواً من خمسة عشر يوماً في بعض الروايات، وقد روي سبعة عشر يوماً، وثمانية عشر يوماً، وتسعة عشر يوماً. رواه البخاري عن ابن عباس وبكل قال فريق.
واحتج الفريق الثالث بمقامه في حجه بمكة مُقصراً أربعة أيام. واحتجت المالكية أيضاً لمذهبها بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جَعَل للمهاجر مقام ثلاثة أيام بمكة بعد قضاء نسكه فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر، وهي النكتة التي ذهب الجميع إليها وراموا استنباطها من فعله عليه الصلاة والسلام، أعني متى يرتفع عنه بقصدِ الإقامة اسمُ السَّفَر، ولذلك اتفقوا على إن كانت الإقامة مدّة لا يرتفع فيها عنه اسمُ السَّفَر بحسب رأي واحد
أنه
448