الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٩منهم في تلك المدّة، وعاقه عائق عن السفر أنه يقصر أبداً، وإن أقام
ما شاء الله.
ومَنْ راعى الزمان الأقل من مقامه تأوّل مقامه في الزمان الأكثر ممّا ادعاه خصمه على هذه الجهة؛ فقالت المالكية مثلاً: إن الخمسة عشر يوماً التي أقامها عليه الصلاة والسلام عام الفتح إنما أقامها وهو أبداً أنه لا يقيم أربعة أيام؛ وهذا بعينه يلزمهم في الزمان الذي حَدُّوه.
ينوي
قال بعض محققيهم: «الأشبه بالمجتهد في هذا أن يَسْلُك أحد أمرين: إما أن يجعل الحكم لأكثر الزمان المروي عنه عليه الصلاة والسّلام أنّه أقام فيه مُقصِراً ويجعل ذلك حَداً من جهة أنَّ الأصل هو الإتمامُ فَوَجَبَ أن لا يزاد على هذا الزمان إلا بدليل، أو يقول: إنّ هذا الأصل في هو أقل الزمان الذي وقع عليه الإجماع، وما ورد من أنّه عليه الصلاة والسلام أقام مُقصراً أكثر من ذلك الزمان، فيحتمل أن يكون أقامه لأنه جائز للمسافر، ويحتمل أن يكون أقامه بنية الزمان الذي تجوز إقامته فيه مُقْصِراً باتفاقٍ فَعَرَضَ له أنْ أقام أكْثَرَ مِنْ ذلك؛ وإذا كان الاحتمال وجب التمسك بالأصل، وأقل ما قيل في ذلك: يوم وليل؛ وهو قول ربيعة بن عبد الرحمن اور علوم اداري ر
ورُوِيَ عن الحَسَن البصري أنّ المسافر يقصر أبداً إلا أن يقدم مصراً من الأمصار، وهذا بناء على أنّ اسم السفر واقع عليه حتى يقدم مصراً من الأمصار». اهـ.
ونقول: تَعَدُّدُ الروايات بتعدد أيام إقامته عليه الصلاة والسلام في أسفاره؛ حَجّهِ وعمرته وغزواته، وتفاوت الأيام من أقل إلى أكثر هو دليلنا على أنه لم يقدر للقصر مدة عَيَّنَها، وإنما جرت سنته القصر في السفر كيفما أقام، وإذا لم يقدر لذلك قدراً مَعيَّناً، وإنما كان يقصر مهما كان مسافراً طالت المدة أو قَصُرَتْ، كان الواجب علينا القصر ما دام حال السفر موجوداً، إذ لا حَدَّ مانع في الشارع إلا اتخاذ المحلّ وَطَناً أو شراء دارٍ على قول أبي عبيدة، وإلا فحكمه الاستمرار.
449