الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٥٩وإنما اختار مالك ومَنْ وافقه هذا النوع من الجمع لأنه الثابت من حديث أنس.
ومن سَوَّى بينهما فمصيراً إلى أنه لا يرجح بالعدالة، أعني أنه لا يفضُلُ عَدالةٌ عدالة في وجوب العمل بها.
ومعناه: أنه إذا صح حديث معاذ وجب العمل به، كما وجب بحديث أنس، إذا كان رواة الحديثين عدولاً، وإن كان رواة أحد الحديثين أعْدَلَ، وقد قال الشافعي هنا قولاً وافق عليه قول أصحابنا، فإن من جاز له القصر جاز أَنْ يجمع في أي الوقتين شاءَ.
قال أبو سعيد: ويستحب لمن كان في مكنةٍ مِنْ أمره إذا شاء الجَمْعَ أن يؤخر الأولى ويقدّم الثانية ويصلي بين الوقتين، وإن كان نازلاً وأراد الرحيل استحِبَّ له أن يجمع الصلاتين في الأولى لما يدخل عليه من شغل السَّفَر، وإن كان سائراً استُحبَّ له أن يؤخر الجَمْعَ إلى وقت
الآخرة لأنّه أفرغ للصلاة». اهـ.
عنه،
وتفصيل الإمامِ رحمه الله ظاهر بأنه مترتب على حديث مُعَادٍ رضي الله ومبناه على الندب كما ترى ولا موجب من السنة للتخصيص، والوارد منها دليل للعموم والتخيير. والله أعلم. ومما يتعلق بهذا المبحث المفاضلة بين الجمع والإفراد. قال أبو سعيد قول أصحابنا: إنّه إذا كان المسافر في مكنة من أمره وأراد الجمع تَوَخَّى أن يصلّي الأولى في آخر وقتها، والآخرة في أول وقتها، إلى آخر ما ذكرناه هنا عنه.
ومن
كلامه رضي الله عنه: اختلف في الجمع والقصر للمسافر أيهما أفضل؛ فقول: إنّ الجمع أفضل، وقول: إنّ القصر أفضل، وقيل: ذلك مجملاً بغير تفريق، وجاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سافر وَجَدَّ به المسيرُ جَمَعَ، وإذا اطْمَأَنَّ قَصَر، وقيل: إنه إذا كان في السَّفَر وحَضَر وقتُ الأُولى أخر الأولى إلى الآخرة حتى ينزل ويجمعهما جميعاً، وإذا حضَرَتْ الأولى وهو نازِلُ جَرَّ الآخرة إلى الأولى وجمعهما
459