الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٦٧وذلك أنه لم يأخذ بقوله في الحديث: جَمَعَ بين الظهر والعصر» وإنّما أخذ بقوله: والمغرب والعشاء وتأَوَّلَهُ.
جمع
ولعلّ عُذْرَ مالك في أخذه ببعض الحديثِ ورَدَّه لِبَعْضٍ لأنّه عارَضَهُ العملُ فأخذ منه بالبعض الذي لم يعارضه العمل وهو الجمع في الحضر بين المغرب والعشاء، على ما رُوي أن ابن عُمر كان إذا الأمراء بين المغرب والعشاء جَمَعَ مَعَهم؛ وبالله العجب! انظُرْ إلى هذا العمل الذي اتخذه مالك أصلاً يعارض حديثاً متفقاً عليه، وما هو إلا جمع ابن عُمر العشائين مع جبابرة الأمويين، ولم يكف متقدمي شيوخ المالكية حتى ادعوا أصل شيخهم إجماعاً، ولا وجه له لعمر الله، إذ إجماع بعض لا يحتج به، ويقول متأخروهم: إنّه من باب نقل التواتر، ويحتجون في ذلك بالصاع وغيره مما نقله أهل المدينة خلفاً عن سَلَفِ ولو سلمنا أن عمل صحابي يخصص حديثاً عاماً، فغاية ما فيه أنّ العَمَلَ فعل، والفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول عن الشارع بلسان من يصح بهم التواتر، فإنّ التواتر طريقه الخبر لا العمل، وجَعَلُ العمل مفيداً للتواتر عسير، بل لعله ممنوع.
وأما الجمعُ في الحَضَر للمريض فقد أباحه أصحابنا، وتقدم الكلام فيه، وبه قال مالك، لكن إذا خاف أن يُغْمَى عليه أو كان به بطن ومنع ذلك الشافعي، والقول المعتمد معنا ما عليه مالك.
وسبب الخلافِ: هو اختلافهم في تَعَدِّي عِلَّةِ الجَمْع في السفر، أعني المشقة، فمن طَرَدَ العِلَّة رأى أنّ هذا من باب الأولى والأخرى، وذلك أنّ المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشد منها على المسافر، ومن لم يُعَدّ هذه العلةَ وجعلها كما يقولون قاصرةً، أي خاصة بذلك الحكم دون غيره، لم يجز الجمع للمريض، ولعمري إنّه ليس بالقول؛ وقد رأيت في حديث جمعه بالمدينة في حديث أبي الشعثاء وغيره وتأويل ابن عباس إياه بأنه أراد عليه الصلاة والسلام أن
لا يحرج أمته، فعدم الإحراج مع المشاق والضرورات أولى.
467