نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٦٨

من حَمْلِه

وقد علمت ما قدمناه عن الشيخ أبي سعيد رحمه جمعه في الحصر على أنه فَعَل الأولى في آخر وقتها، وقدم الثانية في أول وقتها، إرادة منه أن لا يُخرج أمته في تأخير الصلاة لآخر درجة من وقتها فهو بيان للجواز لا أنّ كلّ واحدة منهما تُصَلَّى في وقتِ الأخرى. ويشهد لتأويل الشيخ أبي سعيد قول ابن عباس رضي الله عنه: «من جمع في الحَضَر بين صلاتين من غير عُذر فقد أتى باباً من الكبائر» وكلام ابن عبّاس لا يخالف روايته وعلمه عن رسول الله.

المسألة الرابعة

الجمع بين الصلاتين معنى لا يحتمل الفارق، وإلا لم يصدق عليه كونه جمعاً، ثم الفارق لا يخلو إما أن يكون من جنس الصلاة أو لا، والثاني لا يخلو إما أن يكون واجباً فعله كتنجية نفس أو مال له أو لغيره، وكانتقال عن المحل لضرورة، وإما أن يكون مباحاً كذكر أو قرآن أو جواب سائل أو أمرٍ بفعل أو نهي عن شيء، وإما أن يكون محجوراً في الأصل .. ونتكلم على حكم كلّ من الأقسام، بما أطلعنا الله عليه من أثر قادتنا السادَةِ الأعلام.

أما جنس الصلاة؛ فقد علمت مما قَدَّمناه عن أبي عبيدة رحمه الله أنه كان يأتي بركعتي المغرب بينها والعِشاء الآخرة في حالة الجمع، وقدمنا ما قاله القطب رحمه الله أن رأي أبي عبيدة هذا لم يتابعه عليه أحدٌ، والله أعلم بوجه ما ذهب إليه هذا التابعي الجليل، وهو حوض ينابيع أبي الشعثاء وغيره من علماء التابعين، ولعله لاحظ شدّة التأكيد لسُنّة الركعتين، وقاسها على سنة ركعتي الفجر في عدم تركهما حضراً وسَفَراً، وكأنّه جَعَل ركعتي المغرب مع فرضها كصلاة واحدة، ولذلك

أمر في الحضر بأن يعاجل السُّنَّةَ بلا فارق بينها وبين فرض المغرب وأن لا يتخلّى عن مكان الفرض لموضع آخر يأتي فيه بالسُّنَّةِ، إنما يبادِرُ إليها في مقام الفرض بلا فارق، وبهذا الاعتبار لعل أبا عبيدة اعتبر هاتين الركعتين بعد العشائين غير فارقٍ، فلا تخرج بوقوعهما الصلاتان عن

468

٩٧٩ / ١٬٦٨٣