الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٦الكتيبة
الجزء الأول
أهل القياس فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها والآثار أن يعوها فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلُّوا»، وجاء معنى هذا في الحديث أيضا، بل قال بعض: إن قوله تعالى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلم أنه لا يجوز القول إلا بالحجة، ولا يقبل إلا ممن يقرنه بحجة صحيحة، ولكن الواضح أنه يقبل القول بما هو علم ولو بلا حجة مما هو ظن، ومرادهم بالظن هنا اعتقاد أن المقول حق بأن يكون من كتاب صحيح، أو من ثقة يرويه من ليس أهلا للرأي فلا يوهمنَّكم كلام المفسرين في الآية، فإنَّ ما يقوله المجتهد والثقة أو جزم به في الكتاب ظن بمعنى أنه يحتمل أن يكون عند الله أو في نفس الأمر غير ذلك، ومن ذلك أنك إذا حكمت بشهادة عدلين فقد حكمت بالظن إذ لا تدري ما عند الله الأمر كذلك أم لا؟ والأمر يجري على الظاهر، كما سمى الشاهد بالزنا كاذبا إذ لم تتم شهادته بغيره بمعنى أن تسموه كاذبا ولو صدق عند الله وإن شهد أربعة فالحكم بهم حكم بظن، أي بعلم لا يقين فيه لاحتمال كذبهم. علوم دي
الله لا
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللهُ عَنْهُما في قوله تعالى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ قال: "لا تقل"، ولا بدَّ من هذا المعنى على عمومه مع كل تفسير فسرت به الآية. قال الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله: «مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَة أَوْ فَسَّرَ رُؤْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ كَمَنْ وَقَعَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَصَادَفَ بِنْرًا لَا قَعْرَ لَهَا وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ» (1). ولا يخفى أن قولكم بالرأي من غير أن تكونوا أهلا له إفتاء بغير علم واعلموا أن القول أشدُّ من الفعل؛ لأن القول يُتَّبع والفعل لا يتَّبع، إلا فعل النبي فإنه يُتَّبع كما يُتَّبع قوله.
(1) رواه الربيع في مسنده، باب في طَلَبِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ اللهِ لا وَعُلَمَاءِ السُّوءِ، رقم: 35.