الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥١الجزء الأول
أو التحية والاستئناس معا، فالحاصل أن السلام فرض واجب على الرجال والنساء سواء أريد به التحية أو الاستئناس أو كلاهما فليس كون السلام بمعنى الاستئناس مخرجا للنهي عن أصل وضعه، وهو التحريم عندنا عند التجرد عن القرائن؛ فإن النهي المجرد للتحريم عندنا وعند جمهور الأمة، وأما غير الجمهور فيرى تحريم الدخول بلا سلام في الأحاديث، فيحمل الآية على التحريم لقرائن الأحاديث.
فها أنا إذا في حاشيتي على غير هذا الكتاب أحاديث الصحابة التي اطلعت عليها؛ ليظهر أن كل صحابي تكلم في السلام قد تكلم بوجوبه، ومن سكت فقد سكت لكلام الصحابة الموجبين، فينعقد الإجماع على وجوب السلام إن شاء الله، ويظهر لك من بعض أحاديثهم أيضا أن السلام غير الاستئناس لا عينه؛ فمن ذلك ما روي أن رجلا أتى النبي فقال: أألج؟ فقال لامرأة هناك تسمى روضة: «هذا لا يُحْسِن الِاسْتِنْذَانَ، قُولِي لَهُ: ليقُل: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟» (1)، فتراه قال: إن الداخل بلا سلام المستأذن بلفظ "أألج؟ " لم يحسن الاستئذان لشيئين؛ أحدهما: أنه قال
" ألج؟ " ولم يقل "أأدخل؟ "، والثاني: أنه لم يسلّم، وسماه لذلك غير محسن للاستئذان.
الأمة عند
وكذلك من جهل شيئا ما فإنه لا يحسن عمله بل يسيئه، نعوذ بالله من الجهل والإساءة، وهذا الجهل والإساءة محرمان في المسألة بدليل قوله: «قُولِي لَهُ: ليقُل: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟» بلام الأمر، والأمر للوجوب عندنا وعند جمهور التجرد، ومن قال لغير الوجوب حمله في الآية على الوجوب أيضا، وفي الحديث لقرائن باقي الأحاديث الدالة على الوجوب.
وفي ذلك الحديث استئذان وتسليم؛ فالاستئذان "أأدخل؟ "، والتسليم "السلام
(1) رواه أحمد، رقم: 23127؛ والبخاري في الأدب المفرد، باب إذا قال: أدخل؟ ولم يسلم، رقم: 1048.