كشف الكرب في ترتيب أجوبة الإمام القطب سعود بن حميد بن خليفين أبو الوليد

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

174

الجزء الأول

وأذكر لك حديثا آخر من صحيح الربيع بن حبيب رحمه الله هكذا: أبو عبيدة عن جابر بلغني عن رسول الله: بينما هو جالس ذات يوم في المسجد إذ مر ثلاثة نفر، فقصد اثنان إلى رسول الله، وذهب واحد في حاجته، ولما وقفا على رسول الله فسلما، فقصد أحدهما إلى صفة فقعد فيه وقعد الآخر خلفه، ثم أقبل على الصحابة فقال: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟» فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال: «أمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَاسْتَحْى مِنَ اللَّهِ فَاسْتَحْيَى اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» (1).

رجع لكن إذا ثبت هذا الحديث فيجوز تأويله وحمله على أحسن الوجوه، وأقربها إلى الهدى، وأوضحها في اللفظ والمعنى، عملا بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (2)، والذي يظهر لي فيه إن صح الحديث - أن السلام فيه التسليم الذي هو بمعنى الاستئذان، ومعناه أنه لا في مسجده وهكذا في غيره من المساجد بالقياس عليه، وذلك أنه لما كانت المساجد تسمى بيوتا في كتاب الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ (4) كان وجوب الاستئذان بالتسليم من خارج على من فيها أوليا؛ لأنها من جملة البيوت التي يشملها

(1) رواه الربيع في مسنده، باب في العلم وطلبه وفضله، رقم: 31؛ والبخاري باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، رقم: 66.

(2) سورة النساء: 83

(3) هذا في ب. وفي الأصل: الاستئذان

(4) سورة النور: 36.