الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥224
الجزء الأول
المفاسد، فلا يصير له من المروءة شيء البتة، ويشاهد من أحواله خنوثة الطبع وفساده وانقلابه إلى أشر من طبع النساء، ومن الدياثة على زوجته وأهله والأجانب مما يقضي العاقل منه بالعجب العجاب وكذا متعاطي البنج والأفيون ونحوهما.
والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى الصيال على غيره والخصام والقتال والبطش، وكلاهما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن العلماء من يقول إنه يعزّر اكل البنج ونحوه. ومما يقوي أنه يحد حدَّ الخمر أن أكلها ينتشي ويشتهيها كالخمر وأكثر حتى لا يصبر عنها، وتصدُّه عن ذكر الله وعن الصلاة، مع ما فيها من تلك القبائح. وسبب اختلاف العلماء فيها حدا ونجاسة كونها جامدة ليست شرابا؛ فقيل هي نجسة كالخمر وهو الصحيح عند الحنابلة وبعض الشافعية وقيل طاهرة لجمودها وهو الصحيح عند الشافعية وبه أقول؛ فالمائعة نجسة والجامدة محرمة طاهرة، وقد قيل ما تصور منها مائعا فهو نجس. وعلى كل حال فهي داخلة فيما حرم الله ورسوله من الخمرة المسكرة لفظا ومعنى.
قال أبو موسى الأشعري: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: البتْعُ وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالْمِزْرُ وَهُوَ مِنَ الذَّرَةِ وَالسَّعِيرِ، يُنْبَدُ حَتَّى يَشْتَدَّ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ الله قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (1)، وقال: «مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (2)، ولم يفرق بين مائع وجامد، ومأكول ومشروب على أن الخمر يتأدم بها، والحشيشة قد تذاب، فكل منهما يؤكل
(1) رواه مسلم، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، رقم: 2001؛ والبخاري بنحوه باب قول النبي: «يَسرُوا وَلا تُعَسِّرُوا»، رقم: 6124.
(2) رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، رقم: 3971؛ والطبراني في المعجم الكبير، رقم: 12694.