الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٧226
الجزء الأول
مثله. ثم نبشت قبرا، آخر فوجدت صاحبه قد اشتعل بالنار، فخفت وأردت الخروج، فقيل لي: ألا تسأل عنه وعن حاله؟ قلت: وما حاله؟ قال: كان تاركا للصلاة، فهذا جزاء مثله. ثم نبشت قبرا، آخر فرأيته قد وسع على مد البصر، وفيه نور ساطع، والميت نائم على سرير، وقد أشرق نوره وعليه ثياب حسنة، فأخذتني هيبة وأردت الخروج، فقيل لي: ألا تسأل عن حاله لماذا أكرم هذه الكرامة؟ فقلت: لماذا؟ فقيل: إنه كان شابا طائعا، نشأ في طاعة الله وعبادته، فقال عبد الملك عند ذلك: إن في ذلك لعبرة للعاصين وبشارة للطائعين". جعلنا الله ممن أطاعه فرضي عنه بمنه وكرمه.
فإذا كان عقاب الخمر ذلك وكرامة الطائع ما ذكر فكيف يشرب ما يلهي عنها، أو يغير العقل أو يأكلها، فهو حرام أسكر أو أفتر، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر، وإنما يسمى العقل؛ لأنَّه يمنع عن القبائح، فكل ما يسكر أو يفتر حرام؛ لأنَّه يزيل العقل أو ينقصه. قال: «يَشْرَب أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُضْرَبُ عَلَى رُءُوسِهِمُ الْمَعَازِفُ وَالْمُغَنِّيَاتُ، يَخْسِفُ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ» (1). قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور والخدر في الأعضاء والأطراف، وهذه المذكورات كلها تسكر وتخدر.
وحكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة قالا: ومن استحلها فقد أشرك. وإنما لم يتكلم فيها السلف لأنها لم تكن في عهدهم، وإنما ظهرت في آخر المائة السادسة وأول السابعة حين ظهر التتار. وذكر الماوردي قولا أن النبات الذي فيه شدة
(1) رواه ابن ماجه باب العقوبات، رقم: 4020؛ والبيهقي في السنن الكبرى، باب ما جاء في ذم الملاهي من المعازف والمزامير ونحوها، رقم: 20989.