الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦255
الجزء الأول
وذكر أنَّ بعض الكرماء بالمال تردَّدت عليه السفهاء والظلمة وكلفوه شراء الدخان وأفنى ماله فيه ثم أخذ ورق الخردل وأمر بعض أتباعه أن يبول عليه ويجففه ويقدمه
إليهم، ففعل وشربوه وقالوا هذا دخان أصلي؛ لأنَّ علامة غش الدخان نتن ريحه. وذكر أن بعض الجند تولع بشرب الدخان ولازمه وأنفق فيه مالا كثيرا لكثرة الشاربين معه، فأخذ ورق البرسيم اليابس وخلطه بزبل الفرس وقدمه فشربوه، وقالوا هذا خير مما شربناه قبل وألذ وأشدُّ إنشاطا، وأدعى للباءة، وأكمل في الإنعاط، وأكثروا من تقديم الدجاج له ضيافة، وطلبوا أن يزيدهم منه.
وذكر أن بعض المشهورين أكثر الناس عليه في طلب الدخان ولم تسمح نفسه بشرائه، وأخذ ورق القلقاس وتركه حتى تعفن ونضحه بخل وجففه وقدَّمه لهم، فقالوا: هذا من بخله لم يشتر إلا الدُّخان الرديء، فاستأذنه بعض أتباعه في فعل شيء من عنده صيانة لعرضه فأذن له بشرط أن لا يؤخذ عليهم ما منعه الشرع، فأخذ نبتا رديئا رديء الرائحة كريه الطعم، تسمية العامة حساء الكلاب، وعفنه وجففه وقدَّمه لهم، فاستعملوه وأثر فيهم تأثيرا شديدا، وتسامع النَّاس بذلك وقالوا: لا دخان إلا دخان
تابع فلان البخيل، جعل الله سبحانه وتعالى كذا فيه كرما عظيما مضادا لبخل سيده. أي شخص تسمح نفسه أن يتكلف (1) الدراهم الكثيرة التي يشتري لي بها هذا الصنف من الدُّخان الذي لا يقدر على تحصيله إلا الملوك. وذكر أن بعض الملازمين شربه وحضرته الوفاة، فكلما لقن الشهادة قال: هذا دخان جيد معجون بخمر، زيدوني
منه حتى مات .. نعوذ بالله
من سوء
الخاتمة.
(1) هذا في ب. وفي الأصل: يتكلم.