الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦الجزء الأول
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يشاركه مخلوق في صفة ولو اتفق اللفظ؛ فالله
موجود لا بعد عدم ولا بموجد، ولا يزمان أو بمكان أو شيء، ولا بمبق بعد إيجاد، ولا عرض ولا جسم وأنت موجود بخلافه في ذلك كله، وبعد أن أوجدك أبقاك، ولو أسقط إبقاءك لفنيت كلك ولم يبق منك شيء، وإن أراد أبقى بعضك وأفنى البعض. والله عالم أي بالذات بلا أول ولا آخر، ولا جهل له في شيء تعالى، وأنت عالم بتعلم مع جهل، وهكذا، ومقتضى ذلك أن لا يفعل التفضيل بينه وبين خلقه، لكنه فعل، تقول: "الله أعلم منَّا"؛ فإنَّ حقيقة التفضيل اشتراك متعددين في شيء واحد مع زيادة أحدهما على الآخر، على معنى أنه في علمه أعظم منا في علمنا، وهذا في التخالف، كقولك: أنت في قيامك أفضل من عمرو في ركوبه وأعظم من ذلك، كقولك: الخل أمر من العسل، والعسل أحلى من الخل، بمعنى أنه أشدُّ في مرورته من العسل في
حلاوته، أو أن العسل في حلاوته أشد من الخل في مرورته، أيما كان ذلك فقله.
من
لا إله إلا الله الحمد لله الذي إنما نعرفه بجهلنا إياه، إذ كلما قيل هو كذا من الذي إنما نعرفه يجهد جسم أو عرض أو جوهر كان خطأ، إذ لا ندرك ذاته. لا إله إلا الله، الحمد لله الذي لا نعرفه إلا بكونه شيئا لا كالأشياء وبصفاته وأفعاله لا إله إلا الله، الحمد لله الذي كلما أدرك بالحواس، أو من شأنه أن يدرك مما وجد أو فرض، أو حواه الفهم والخاطر فهو بخلافه، جاء الأثر بهذا، وكذا اجتمع سبعون عالما من بني إسرائيل ليدركوا الله، وكلُّ واحد يعرف سبعين لغة فسمع بهم عالم من بني إسرائيل يعرف سبعا وسبعين لغة، فجاءهم فقال: فيم أنتم؟ قالوا: نريد أن ندرك الله تعالى فقال: هل أدركتموه؟ فقالوا: لا، وجدنا أنفسنا لا ندرك إلا مخلوقا ولا نعرفه إلا بتحقيق الإيمان بالغيب فقال: الآن عرفتم ربَّكم. وسأل عالم سبعمائة عالم عن التوحيد فلم يجبه أحد بما يقنعه فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال كل ما حواه الفهم وخطر بالبال فالله
بخلاف ذلك.