كشف الكرب في ترتيب أجوبة الإمام القطب سعود بن حميد بن خليفين أبو الوليد

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٧

?

الجزء الأول

يبنون الأحكام الشرعية على العقل، ويقولون كلُّ ما قبَّحه الشرع يقبحه العقل، وما حسنه يحسنه العقل، ويقولون إن العقل يدرك تفاصيل الشرع ولو لم يكن الوحي بها، ولست أقول بذلك، ومذهب بعض أصحابنا والأشعرية بأن شكر المنعم واجب شرعا

لا عقلا

وبحث الأشعرية مع المعتزلة بأن العقل يدرك الحسن والقبيح، لكن يلزم أن لا يكون وجوب الشكر عقليا، فإن العقل إذا خلّي ونفسه لم يُدرك فيه الحسن؛ لأنَّ المصلحة التي اشتمل عليها الشكر إما راجعة إلى المشكور وذلك باطل؛ لغنى الله تعالى عن العبادة والشكر، ولعدم احتياجه وهو الغني على الإطلاق، وإما إلى الشاكر، والنعمة الواصلة إلى الشاكر حقيرة عند الله تعالى، كما جاء الحديث: «إِنَّ الدُّنْيَا كلَّها لَا تُسَاوِي عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» (1)، وإنه ضرب لها مثلا بما يخرج من ابن آدم من العذرة، وأنها كذراع خنزير منتن بال عليه كلب في يد مجذوم، وربما كان الشكر عليها ذما كما لو أعطاك سلطان فلسا ومدحته به عند الناس، فإن المدح به ازدراء بالسلطان، فلولا أن الشرع أوجب الشكر عليها لم يجب.

ويجاب بأن الشكر ليس على نعم الدنيا فقط، بل عليها وعلى الآخرة والدين، وبأن أدنى شيء من النعم ليس حقيرا بل جليل؛ لأنَّ خالقه الله تعالى، وأنا لا نستغني عنه لو منعه الله تعالى بلا تعويض لمثله أو تعويض ما فوقه وفائدة الشكر عائدة إلى الشاكر دنيا وأخرى أو في إحداهما، وإنما حقارة الدنيا وذلك الحقير المجازي به منها حقيران عند الله تعالى بالنظر إلى دينه ونعمه الأخروية، وأما بالنظر إلينا فهما عظيمان

(1) رواه بمعناه كل من: الترمذي، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله، رقم: 2320؛ وابن ماجه باب مثل الدنيا، رقم: 4110.