الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٤كثيف الكريب
63
الجزء الأول
كما لا يتعلق بالمستحيل لقوله تعالى: {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (1)، والشيء عند الاتصاف إنما يطلق على ما كان وفني وعلى ما وجد وعلى ما سيوجد، ومعنى قوله «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ (2) أنه لو كانوا عاملين لكان عالما بما يعلمون، أما
إذا كانوا غير عاملين فلا يقال يعلم ذلك الموهوم لأنَّه غير متحقق، ولا لا يعلمه لأنَّه يوهم الجهل تعالى الله عنه، فالمنفي هو ما يتعلق به العلم فلا يتصور علمه، كما لا يقال الله قادر على اتخاذ الصاحبة والولد ونحو ذلك من صفات الخلق؛ لأنَّ إثبات القدرة على الشيء حكم بإمكانه ولا غير قادر؛ لأنَّه عبارة عن العجز والله منزه عنه، ولا يطلق على المحال والممكن الذي لا يكون، ومعنى قوله: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (3) إلخ، جزاء باللبث في البطن لولا تسبيحه قال سيبويه: "الشيء في اللغة ما يصح أن يعلم ويخبر عنه. ولا يتعلق علم الله بالمستحيل إلا بكونه مستحيلا، ولنا أيضا أنه يلزم التسلسل إن قلنا يعلم ما لا يقع كيف يقع، فإنه إذا قيل يعلمه قيل يمكن وقوع الشيء بعده فيعلمه، وهكذا، ولا معنى لقوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا إلى سوى أن شأنهم الإصرار والعناد، ومعنى شقوة غلام الخضر خلقه على الشقوة ولا يبلغ ولا يشقى ولا يرهق والديه طغيانا وكفرا، وذلك أن الإنسان مختار واختياره أيضا مخلوق الله وعجلان وتبارك وتعالى، إلا أن هذا ليس إجبارا ولا طبعا؛ إذ كل أحد يرى من نفسه أنه قادر على الفعل والترك فيختار أحدهما، فبهذا الاختيار يخرج عن الطبع والإجبار ولو كان اختيارا مخلوقا، وزعم ابن حزم أبو محمد علي بن حزم الظاهري الأندلسي أن الله تعالى
(1) سورة النور: 35
(2) تقدم عزوه.
(3) سورة الصافات: 143.