مشوهات الإباضية نظرة من الداخل والخارج لإبراهيم بحاز
الجزء ١ · صفحة ١٣إذن لقد شوَّه الخوارجُ، الإباضية أولاً لأنَّ الإباضية لها جذور مع المحكِّمة لمَّا انطلقت حركة الخوارج، وثانياً لأنَّها تتطابق في فكرها السياسي مع فكر الخوارج، وحيث إنَّ هؤلاء خرجوا وثاروا وتمرَّدوا واستعرضوا وحاربوا وشُوِّهت صورتهم في المجتمع الإسلامي حتى لا يكون لهم أتباع، تعدَّى ذلك التشويه وتلك الحرب إلى الإباضية، ولا تزال تعاني التصنيف إلى الخوارج إلى يومنا هذا مع ما ترتَّب في ذاكرة الإنسان المسلم من تشويه وتفسيق ومروق للخوارج وحركتهم بعامَّة.
ومثلما شوَّه غلاة الخوارج حركة المحكِّمة في المشرق كذلك شوّه النكَّار في المغرب فكر الأباضية وانشقُّوا عن الدولة الرستمية، وساهموا في إضعافها وسقوطها في نهاية المطاف، ولقد أكثر الجغرافيون في المغرب من ذكرهم باعتبارهم إباضية وما هم بإباضية، وإنما هم نكَّار أنكروا إمامة الإباضي عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم عام 171هـ/ 787م، وذلك نوع آخر من التشويه سنعرفه عندما نتطرّق للجغرافيين والرحالة.
المشوّه الثالث: المعتزلة وممارستهم السياسية
إنَّ الإباضية في عقيدتها تكاد تتطابق مع عقيدة المعتزلة(15)، إنَّ التراث الإباضي يتحدَّث عن مناظرات إباضية اعتزالية منذ وقت مبكِّر، وذلك عهد أبي عبيدة مسلم ابن كريمة (ت 150هـ/ 767م) الذي ناظر واصل بن عطاء وأفحمه(16) ويبدو أنَّ ذلك تم مع بداية ظهور الاعتزال في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، كما أنَّ تيهرت الرستمية في المغرب الإسلامي شهدت مناظرات بين الإباضية والمعتزلة على نهر مينة، كانت الحجة فيها للإباضية على حساب المعتزلة الواصلية(17)، بل إنَّ الإباضية استطاعت في القرن الخامس الهجري (11م) أن تقنع المجتمع الميزابي في الجزائر وكان آنئذ معتزلياً واصليا، على اعتناق المذهب الإباضي وكان لها ذلك(18).