مشوهات الإباضية نظرة من الداخل والخارج لإبراهيم بحاز
الجزء ١ · صفحة ١٥إذن، لقد كانت المعتزلة مثل الإباضية في العقائد، وكانت الإباضية مثل المعتزلة، وإنَّ هذه الأخيرة، لم تكن مثل الإباضية في التقية والكتمان، بل جاهرت منذ البداية بفكرها وأصولها، ووجدت من الخلفاء من آمن بها واعتنقها، بل وجعلها المذهب الرسميَّ للدولة(19)، وحماها وخوَّل لها من السلطة ما لم تقدِّر قيمته في اعتقادي، فتعسَّفت في الحكم، وأجبرت العامَّة على أمور أنى لها فهمَها، وأقحمت نفسها وقطعاً كبيراً من العلماء في صراع وجدال عنيفين، ركَّزت على مسألة خلق القرآن بالذات، وربما هي المسألة الأكثر تجريداً في فكر المعتزلة، وبالتالي الأكثر تعقيداً والأصعب استيعاباً عند العامَّة، لذلك فشلت فشلاً ذريعاً، وانقلب السيف والسوط اللذين كانا في يد وزرائها وقضاتها، إلى أيدي غيرهم ممن خلفوهم في مراكزهم العليا في الخلافة العباسية أيَّام المتوكل(20) (232-247هـ) ومن جاء بعده، وانقلبت المحنة منهم عليهم، فلوحقوا وسجنوا، وشوِّهت سيرتهم وأصولهم فيما كتب بعد تلك المحنة.
إنَّ الذي أصاب المعتزلة من المحنة والتعصُّب ضدَّها وضدَّ فكرها بما كسَبَ رجالها لما كانوا في السلطة، أصاب الإباضية بمثله دون أن يكون لها ضلع في ذلك التعسُّف وتلك المحنة، تماماً مثلما لم يكن لها ضلع فيما اقترفته الخوارج الغلاة من الآثام ونسب إليها بالتبع.
فالعداء لمعتقدات المعتزلة لم يطل المعتزلة لوحدها، بل تعدَّاه إلى الإباضية لأنَّها تحمل نفس العقيدة، وما كُتب عن المعتزلة من ردود كان ضدَّ الإباضية بالتبع، ومن تعصَّب لسلفية أو مجسِّمة ومشبِّهة كان تعصُّبه ضدَّ الإباضية، لأنَّ حامل العقيدة التي تشبه المعتزلة المنقرضة اليوم هم الإباضية لا غير.