مشوهات الإباضية نظرة من الداخل والخارج لإبراهيم بحاز
الجزء ١ · صفحة ١٦فإذا كانت المعتزلة قد انقرضت، وانتهى أتباعها إلى الزوال، بسبب ما ارتُكب ضدَّها من عنف من جهة، وبسبب ما ارتكبته هي الأخرى من عنف ضدَّ معارضيها من جهة أخرى، فإنَّ الإباضية بعقيدتها شبه المطابقة لعقيدة المعتزلة، أصبحت هي المستهدفة، وكانت بالأمس تعيش التقية، أمَّا في العقود الأخيرة فإنَّها أسفرت عن كتبها وعلمائها، لذلك أُلتفِت إليها واهتمَّ الدارسون بأصولها وفروعها وتاريخها، وكأنَّهم رأوا فيها وارثة الفكر المعتزلي، ومن هنا جاءها التشويه، ليس لأنَّها ارتكبت جرماً أو تعسُّفا، وإنما لأنَّها تحمل فكراً يذكِّر بفكر المعتزلة ومحنتهم وتعسُّفهم.
لقد ظلَّ الفكر المعتزلي، عند من يعرف قيمة الفكر في الإسلام، قمَّة في العقل والاحتجاج به، دون أن يُعدموا الحجَّة بالنقل، فإن أخطات المعتزلة في استعمال السلطة، فإنها لم تخطئ أبداً في استعمال العقل وتوظيفه في الفكر. وهنا نتساءل ما ذنب الإباضية بعد ذلك إذا كانت لم تشارك فيما أخطأت فيه المعتزلة، لأنَّها كانت هادئة رزينة تمارس تقيتها عقلاً وديناً، وإنما شارَكتْها فيما امتدحت فيه وهو الاحتجاج بالعقل، والثورة الفكرية المبدعة؟
إنَّ الإباضية لما كانت المعتزلة تتعسَّف، كانت هي منهمكة بإقامة دولها في المشرق والمغرب، تريد الخروج من تقيَّتها، وكتب لها أن تستمرَّ وتخلد ويستمرَّ معها ويخلد فكرُها الأصولي الذي شوَّهه المعتزلة بتعسُّفهم، فأصاب الإباضية من ذلك التشويه ما لا تزال آثاره إلى اليوم.
المشوّه الرابع: كتب الفرق والملل والنحل(21)