مشوهات الإباضية نظرة من الداخل والخارج لإبراهيم بحاز
الجزء ١ · صفحة ٥فهذا التكتُّم العلميُّ الذي بدأه الإمام جابر بن زيد في الإباضية قد نجد له ما يبرِّره وهو الإمام القدوة المؤسِّس، فلا بدَّ من التقية من سطوة السلطان عهد الحجاج بن يوسف الثقفي ومن على شاكلته من الخلفاء والأمراء بالعراق، فهو غير حرٍّ في قول ما يريد، وقد دخل السجن شبهة، فتقيته العلمية كانت مرحلة من المراحل لابدَّ من وجودها قبل الإفصاح والظهور، إلاَّ أنَّ الإمام توفي وهو على التقية، وظلَّ عليها وهو يحتضر(5). ولما تولى من بعده الإمام أبو عبيدة مسلم مهمَّة جماعة الإباضية استمرَّ في نفس المنهج من التقية العلمية فضلا عن السياسة، وحاول نشر العلم في تقية تامَّة، وبالتالي في حدود ضيقة جدًّا، بحيث لا يدخل حلقة علمه السرية إلاَّ من ظهرت قناعته بالاتجاه الإباضي، وبما يذهب إليه من آراء في العقيدة والفقه والسياسة الشرعية، وامتدَّ عمر هذه التقية، ومن هنا كان مجال التعرُّف على الإباضية ضيقا، وحق للنديم في القرن الرابع الهجري العاشر للميلاد أن يقول في فهرسته عند تناوله أخبار متكلِّمي الخوارج (والإباضية في رأيه من الخوارج) وأسماءَ كتبهم: "… ولعلَّ من لا نعرف له كتابا قد صنَّف ولم يصل إلينا، لأنَّ كتبهم مستورة محفوظة"(6)، بل إنَّ الدكتور عوض خليفات في الربع الأخير من القرن العشرين يذكر أنَّ الإباضية خلَّفت تراثا ضخما في التاريخ والسير والعقائد لا يزال القسم الأعظم منها "مخطوطاً ومحفوظاً في دور كتب خاصة يملكها أتباع الفرقة في عُمان وزنجبار وشمال إفريقيا، ومن الصعب الوصول إليها"(7).