مشوهات الإباضية: نظرة من الداخل والخارج إبراهيم بن بكير بحاز

مشوهات الإباضية نظرة من الداخل والخارج لإبراهيم بحاز

الجزء ١ · صفحة ٦

إنَّ التقية العلمية فضلا عن السياسية، كما يظهر، استمرَّت لأزمان طويلة بعد أبي عبيدة والربيع ومن جاء بعدهما، فلم يحتكَّ علماء الإباضية بغيرهم من العلماء في المذاهب الأخرى الموالية للسلطان في العواصم الإسلامية الكبرى، ولم يفسح العلماء من غير الإباضية المجال للإباضية حتى يحتكُّوا بهم، فظلَّ أولئك العلماء في جهل بالمذهب الإباضيِّ وإن ادَّعوا الكتابة عنها، فإنهم لم يكتبوا إلاَّ ما سوَّلت لهم أنفسهم، أو انتقل إليهم من خصومهم في صورة التشهير والتشويه، فتداولوه بينهم وتناقلوه جيلا بعد جيل… دون مراعاة لأدنى معايير الصِّدق والأمانة في القول، ما دام هؤلاء الإباضية منعزلين في تقيتهم لا يردون، وما دامت كتبهم وكتاباتهم في تقية لا تتداول إلاَّ بينهم(8).

كان من المفروض أن يتوقَّف القوم عن القول حتى يتبيَّنوا، وهذا معيار من معايير الإيمان عند الاتهام ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[ (سورة الحجرات: الآية 6). ولكنَّ الإباضية أصيبت بجهالة، ونُسِب إليها ما ليس فيها ولا منها(9)، وأُقحمت ضمن مجموعة الخوارج وهي التي قعدَت عن الخروج، وأُبعدت عن أن تكون ممن اتبع السنة وهي التي أخذت علمها عن التابعي الثقة المشهور جابر بن زيد عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

إذا كانت التقية بشقِّها الأول قد نفعت المذهب الإباضيَّ وحافظت على بقائه وبقاء أتباعه، فإنَّها بشقِّها الثاني، أضرَّت بالإباضية أيما إضرار، بخاصَّة وأنها امتدَّ بها العمر طويلا، فعزلتهم عن المراكز العلمية، وأغلقت عليهم ضمن مجموعتهم المشرقية في عُمان، أو مجموعاتهم المتناثرة ببلاد المغرب: نفوسة بليبيا، وجربة والجريد بتونس، ووارجلان وريغ ثم مزاب بالجزائر.

٦ / ٣٠