جريمة غسيل الأموال في الفقه الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٥٤من مصادر غير مشروعة أصلا، كما أن ظهور المال المغسول بمظهر شرعي في القانون الوضعي لا يعني أنه
أصبح حلالا بل يبقى على أصل المحرم، وهذا الذي يُفهم من الجزء الثاني من قول القرطبي.
الفرع الثاني: أدلة حرمة غسيل الأموال من السنة النبوية
1. من الأحاديث التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أنه قال: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا (1)، وهذا حديث دليل على حرمة الأموال، اكتسابها ووجوب من المصادر المشروعة، وينهى عن الاعتداء عليها بغير وجه حق،
فغسيل الأموال لا يرعي هذه الحرمة فإن فيه اكتساب من مصادر غير مشروعة، واعتداء على أموال الناس
بشكل عام.
2. ما روي عن
جابر
عبدالله بن
رضي
الله عنهما أنه سمع رسول الله يقول عام الفتح وهو بمكة: " إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالخِنْزيرِ، وَالْأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِمَا السُّفُنُ، وَيُذْهَنُ بِمَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِمَا النَّاسُ، فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) (2)، وما فعله اليهود لم يحلل دهن الخنزير بهذه الحيلة المحرمة، بل بقي محرما على أصله، وكذلك عملية غسيل الأموال لا تطهر المال الحرام، بل يبقى على حرمة أصله.
(1) البخاري،
محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، صحيح البخاري، رقم الحديث: 1739، ط 1، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. (بيروت: دار طوق النجاة، 2001 م) ج 2، ص 176
(2)
مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، رقم الحديث: 1581، ط 1، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي (بيروت: دار إحياء التراث العربي دت)، ج 3، ص 1207
42