جريمة غسيل الأموال في الفقه الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٥٩الحلال من البيع والشراء والمعاوضة وغيرها من طرق الكسب الحلال، ويذهبون إلى الكسب الحرام من جرائم والربا والسرقة والرشوة وغيرها من طرق سكب الحرام، فما العمل في المال الحرام الذي كسبته يد الإنسان ومنه المال المغسول، هل يستفيد منه فينفق في وجوه البر والخير أم يكون على أصله الحرام؟ وهل يجوز إجراء المعاملات المالية معه؟
الفرع الأول: حكم الانتفاع بالمال المغسول في وجوه الخير
اختلف الفقهاء في حكم الانتفاع بالمال الحرام في وجوه الخير إلى قولين:
القول الأول: لا يجوز الانتفاع بالمال الحرام، وحرمة التصدق به، وهذا قول الإباضية (1).
القول الثاني: جواز الانتفاع بالمال الحرام الذي كسبه الإنسان، فينفقه على نفسه وأهله إذا كان فقيرا محتاجا، ولم يعرف صاحب المال، وفي وجه الخير والإحسان إذا كان بنية التحلل منه، وهذ قول جمهور الفقهاء من المالكية وهو المشهور عندهم (2)، والشافعية (3)، والحنابلة (4)، ونص عليه أبو يوسف من الحنفية (5).
(1) الخليلي، أحمد بن حمد، جواهر التفسير، دط. (مسقط: مكتبة الاستقامة، 1986 م)، ج 2، ص 171: (فإن الله سبحانه لا يأمر بالإنفاق من الحرام ولا يمدح به، وقد جاء في الحديث التنبيه على أن الصدقة المقبولة لا تكون إلا من الحلال، ومنه قوله: " لا يقبل الله صدقة من غلول"). (2) القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس، الذخيرة، تحقيق: محمد حجي، ط 1. (بيروت: دار الغرب، 1994 م، ج 6، ص 28 (الأموال المحرمة من الغصوب وغيرها إذا علمت أربابها ردت إليهم وإلا فهي من أموال بيت المال تصرف في مصارفه الأولى فالأولى من الأبواب والأشخاص على ما يقتضيه نظر الصارف من الإمام أو نوابه أو من حصل ذلك عنده من المسلمين فلا تتعين الصدقة قد يكون الغزو أولى في وقت أو بناء جامع او قنطرة فتحرم الصدقة لتعيين غيرها من المصالح وانما يذكر الأصحاب الصدقة في فتاويهم في هذه الأمور لأنها الغالب)
(3) النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ)، المجموع شرح المهذب، دط. (دار الفكر، دت)، ج 9، ص 351، (وَإِذَا دَفَعَهُ إِلَى الْفَقِيرِ لَا يَكُونُ حَرَامًا عَلَى الْفَقِيرِ بَلْ يَكُونُ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا لِأَنَّ عِيَالَهُ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ فَالْوَصْفُ مَوْجُودٌ فِيهِمْ بَلْ هُمْ أَوْلَى مَنْ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ)
(4) المرداوي، علي بن سليمان، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: محمد حامد الفقي، ط 2. (بيروت: دار إحياء التراث العربي، دت)، ج 11، ص 213 (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَفِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَنْ كَسَبَ مَالًا مُحَرَّمًا بِرِضَى الدَّافِعِ ثُمَّ تَابَ كَثَمَنِ خَمْرٍ وَمَهْرٍ بَغْيِ وَحُلْوَانِ كَاهِنٍ أَنَّ له ما سَلَفَ، وقال أَيْضًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَرُدُّهُ لِقَبْضِهِ عِوَضَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ كما نَصَّ عليه الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي حَامِلِ الْخُمْر، وقال في مَالٍ مُكْتَسِبٍ من خَمْرٍ وَنَحْوِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَإِذا تَصَدَّقَ بِهِ فَلِلْفَقِيرِ أَكْلُهُ وَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُعْطِيَهُ لِأَعْوَانِهِ)
(5) ابن مودود الموصلي، عبد الله بن محمود الاختيار لتعليل المختار، تحقيق: عبد اللطيف محمد عبد الرحمن، ط 3. (بيروت الكتب العلمية 1426 هـ - 2005 م)، ج 3، ص 70، قال أبو يوسف: يطيب له الفضل لأنه حصل في ضمانه لملكه الأصل ظاهرا، فإن المضمونات تملك بأداء الضمان مستندا على ما تقدم ولهما
47