جريمة غسيل الأموال في الفقه الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٧٠مصدر هذه الأموال، وهل اختلطت بالحرام أو لا، وقول الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (فاطر: 18)، ولكن يجب على المسلم الاحتياط لدينه، فلا يدخل في المعاملات التي بها شبهة، ولم تكن له حاجة ماسة؛ حتى لا يقع في الحمى.
وأما القول بالحرمة مطلقا لا يصح؛ لأن فيه تشدد، لو قلنا به لتعطلت الكثير من المعاملات، ولتوقف الكثير من مصالح الناس ووقعوا في حرج شديد ومشقة؛ لأنه قلما يخلو زمان من وجود المال الحرام، ولأن جلب المصلحة الظاهرة أولى من درء المفسدة الظنية التي تحدث في تعامل مع من اختلط ماله بين الحرام والحلال، وكذلك الاستدلال بأن الحلال إذا اختلط بالحرام أصبح حراما والحرمة شائعة فيه، فهذا استدلال غير مسلم به وهو على غير القياس؛ لأن الحرام لا يثبت في عين المال، وإنما يثبت في ذمة صاحبه إذا كان المال حراما لغيره مثل الربا، وليس حراما لذاته كالخمر، إذا المال الحرام لغيره لا ينطبق عليه هذا الاستدلال، وهذا الحاصل في بعض الأموال المغسولة فلا ينطبق عليها، وكذلك المال المحرم لكسبه وهذا النوع هو الغالب في الأموال المغسولة؛ لأن التحريم لم يتعلق بها لذاتها وإنما لكسبها، فالحرام وصف معنوي، والشيوع وصف مادي لا يمكن القول به.
وأما القول بالجواز مطلقا، فإن الأدلة التي استدلوا بها في مجملها تدل على حكم تعامل المسلم مع غير المسلم الذي قد يختلط ماله بين الحرام الحلال؛ أي لا نستطيع القول بأن تعامل المسلم مع المسلم الذي اختلط ماله بين الحرام والحلال داخل تحت مجمل هذه الأدلة، فإن غير المسلم يتبع دينه في الحلال والحرام والذي قد يحل له الكسب الحرام، بخلاف المسلم فلا يحل له كسب الحرام مطلقا، وكذلك القول بأن الرسول تعامل مع المشركين لا يعني أن أموالهم مختلطة بالحرام دائما، فهذا مجرد احتمال، ولكن الأصل براءة الذمة إلا إذا ثبت خلاف ذلك.
والقول بالتغليب لا تنهض به الحجة ولم يقم عليه دليل صريح؛ إذ إن التفريق بين الكثير والقليل فيه مشكل وذلك في تحديد ما الكثير وما القليل، وهذا صعب نوعا ما؛ لأن قدر الحلال والحرام مجهول في مال صاحبه، ويصعب تمييزه ولذلك يصعب الحكم بالحرمة مطلقا أو الجواز مطلقا.
58