الجواهر المنتقاة
الجزء ١ · صفحة ١٠كالوسطى في العقد وفيما أودع من الخطب البريعة والنكتة الحسنة الرفيعة كالروضة الزهرا التي قد أمرعت تلالها ومجانيها وكالحديقة الخضراء التي أينعت قطوفها ومجانيها، وقد كنت كلفت به منذ تراء لي عمله ونهى التي علمه فما وقفت فيه على أم إلا على نسخة ترمد العين وتورث القلب الخطأ والغين، حتى يسر الله نسخة أخرى أشبه قليلاً من الأولى، فتصفحت عند ذلك صفحاته، وتنشقت نفحاته، فوجدته كما تصفه الألسن وفيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، إلا أنه أغفل عن ذكر الصدر الأول، وأخل بذكر ما عليه المعوّل، وإنما له حظ الخملة، واستغنى به عن التفصيل بالجملة، وأشار بالحديثين من بعيد إليه، موذنا وزعم أن شهرته مغنية عن الدلالة عليه، فرأيت ذلك وصمة ازرت بكماله وسماجة قصرت به عن مدا أمثاله، قال الشاعر:
ما سلم الظبي على حسنه
كلا ولا البدر الذي يوصف
فالظبي فيه غنج بين
البدر فيه كلف يعرف
من
ثم إنه قد استبان لي بعين البصيرة في الشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد رضي الله عنه أمر قد قام في ذلك عذره، وناجتني مروءتي ببعض أحواله، حتى انكشف لي سره، وهو كونه بين ظهراني المنتقدين الحاقدين من المخالفين (1)، وتحفظه من بغي الحاسدين والحاضرين المؤتلفين، فمن
1) أي مخالفي الاباضية، وهو اصطلاح متبع لدى أصحاب جميع المذاهب في وصف مخالفيهم. ويتسم العهد الذي عاش فيه أبو العباس الدرجيني صاحب كتاب الطبقات بالتعصب المذهبي، علماً بأن ذلك التعصب ليس مقتصراً على مذهب
دون مذهب.
- 10 -