الجواهر المنتقاة
الجزء ١ · صفحة ١٢٨قضية التحكيم"
وانحاز عمرو بن العاص في ناحية العسكر، ثم انصرف معاوية، فقال له عمرو: هل لك أن تدعو القوم دعوة أن اعطوها افترقوا، وان منعوها منا افترقوا، ولا تزيدنا إلا اجتماعا، ولا تزيدهم إلا فرقة وشتاتا؟ فقال معاوية:
وما هي؟
قال: إني عارف بأهل العراق ارفعوا لهم المصاحف على الرماح 1) كان رفع المصاحف وتحكيم الحكمين خديعة من معاوية بن أبي سفيان ومستشاره عمرو بن العاص انخدع بها الخليفة علي بن أبي طالب، وقد حذره أصحابه الذين عرفوا فيما بعد بالمحكمة من مغبة ذلك، ولكن الجناح الآخر والأقوى من أصحابه زينوا له صحة ذلك التحكيم، وفي مقدمتهم الأشعث بن قيس الكندي، لأن معاوية تواصل معهم ومناهم ووعدهم بالمال والمناصب، وكان ما كان من أمر التحكيم وفقد بسببه الخليفة الشرعي منصبه الشرعي، وفقد اتباعه ثم فقد حياته، على أن هناك بعض المذاهب الإسلامية لا يرضى القول بتخطئة علي بن أبي طالب بقبول التحكيم بحجة أنه صحابي وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته، وهكذا نجد تغلب العاطفة على العقل والنص، و الخطاب الإسلامي توجيهاً عاطفياً، وكان الإسلام جاء طبقياً ومن المعلوم أن مراعاة الطبقية منافية للمساواة التي هي روح الإسلام، ومنافية للعدالة التي هي! لب الإسلام. والتحكيم لا يخرج عن كونه حقاً أو باطلاً، فإن كان حقاً فقد اسقط الخليفة حقه بقبوله التحكيم ونتيجته، فلماذا يعود إلى التمسك بالخلافة ويذهب إلى سفك الدماء من أجلها؟ وإذا كان باطلاً، فقد وقع في الخطأ. على أن هناك بعض المذاهب يضفي عليه العصمة مع أنها لا تكون إلا للأنبياء والرسل، لأنها مرتبطة بالوحي الذي انقطع بموت النبي عليه الصلاة والسلام.
ووجه
- 128 -