الجواهر المنتقاة
الجزء ١ · صفحة ٢١٤كل ما جرى عليه صفة الخلق فهو خلق كما لا يجوز أن يوصف بصفة الخالق الا الخالق، فلما وصف الله القرآن أنه منزّل صح أن له من أنزله وهو غيره وهو القادر عليه، لأنه عز وجل قال وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج، وقال: {وأنزلنا من السماء ماء مباركاً وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا، وقال: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، افترون أن المخاطبين بهذا كانوا يشكون أن معنى أنزل في هذا معنى خلق أولا ترون أن الله عز وجل وصف القرآن بصفة لا يجوز أن يوصف بها الخالق، لأنه في القرآن أمر ونهى وان الأمر منه غير النهي، والنهي منه غير الأمر، والأمر منه غير الأمر، والناهي منه غير النهي، وانه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ، وان المحكم غير المتشابه والمتشابه غير المحكم والناسخ غير المنسوخ والموصول غير المقطوع، أفلا ترون أنه قد جرى عليه التغاير وما جرى عليه التغاير جرى عليه العدد، وما جرى عليه العدد فهو غير الواحد القديم الذي لا يجرى عليه التجزء والعدد، لأن من يجرى عليه التجزء والعدد فله من جزأه ودبره وأنشأه وأحدثه بعد أن لم يكن وهذه الصفات عن الله منفية وهي في القرآن موجودة، ومنه قوله تعالى: ونحن نقص عليك أحسن القصص وسماه قصصاً وسماه حديثاً ألا ترون أن هذه الصفات لا تجوز على الله، والقرآن له أول وله آخر ونصف وثلث وربع، وهذه الصفات يتعالى الله عنها، ويقال البقرة غير آل عمران والنساء غير المائدة وكذلك سائر القرآن، ويقال أن هذه السورة غير هذه وكذلك فيما سلف من كلامنا أن التغاير في القرآن موجود وأنه محتمل للتجزء والتبعيض، وإن من شأنه حاجة بعضه إلى بعض، وهذا يدل أن له خالقاً خلقه ومصرفاً، صرفه، وقد ذكرنا لكم من الشواهد ما لا يمتنع من قبوله ونحن ذاكرون لكم ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه
- 214 -