العزابة
الجزء ١ · صفحة ٢٩توحيد إباضية وسط المغرب وجنوب تونس وطرابلس. ولم يكن التنظيم الإداري في الدولة الرستمية يختلف كثيراً عن سائر بلاد المسلمين سوى بالنفوذ الطاغي الذي كان يحظى به المشايخ، علماء الدين هم الوحيدون الذي لهم الحق في الحكم على صفات الإمام، ومراقبة تصرفاته، والإبقاء عليه لمراعاته لحدود الدين، أو تغييره إذا ما حاد عنها. وبذلك نفهم بسهولة أن تاريخ تيهرت (تاهرت)، لم يكن، بغض النظر على استقامة أئمة الدولة الرستمية، باستثناء بدايتها، سوى سلسلة من الخروج على الجماعة، كان دائماً المحرك لها هو سلوك الإمام. وأخطرها كان خروج النكار (النكاث)، والذين أنكروا، قرابة نهاية القرن الثامن، ثاني أئمة تيهرت، عبد الوهاب بن عبد الرحمن (168هـ/784م- 208هـ/823م).
سقطت مملكة تيهرت عام 296هـ/908م على يد جيوش الدعي أبو عبد الله، باعث السيطرة الفاطمية في إفريقيا. فرّ من نجا من الإباضية إلى جبال أوراس. بيد أن حركتهم لم تنقرض: فلقد استعادت عافيتها بعد حين وهددت عاصمة الفاطميين ذاتها: المهدية على يد أبو يزيد (صاحب الحمار) "الملقب بالرجل المتعنت". بعد ذلك الحدث الأخير، الذي غرق في دمائه (336هـ/947م)، بدأت رحلة التراجع الإباضي في الشمال الإفريقي والتي يبدو أن عجلتها دارت بسرعة خاصة بعد غزو بنو هلال (443هـ/1051م). وبينما كان إباضية طرابلس يتمركزون في جبل نفوسة، كان المدبرين منهم من وسط المغرب يلوذون بإقليم الصحراء الجزائري: سواء في واحة وارجلان، حيث أسسوا مركزاً جديداً "سدراته"، الذي شهد قدراً كبيراً من الازدهار الفني أيضاً؛ وكذا في وادي أريغ.
وكانت تلك هي الحقبة التي تأسست فيها الحلقة، موضوع دراستنا. ويرتبط تأسيسها، الذي نعرف تاريخه، كما سنرى، بانتقال الإباضية إلى وادي أريغ، الذي يسمح لنا بإعطاء توصيف زمني لم يكن مؤكداً قبل ذلك(1).
(1) - أنظر ص58، ملحوظة رقم 106 من هذا الكتاب.