الإيمان بالغيب محمد أيوب صدقي

الإيمان بالغيب للشيخ محمد أيوب صدقي معدلة_ Optimized

الجزء ١ · صفحة ٤٦

ولما تليت عليه فقرة من الإيمان بالغيب" تتضمن اعتماد العرف دليلا شرعياً في إجازتها كعقد الاستصناع والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً؟ أجاب بأن العرف لا يُعتمد فيما يخالف الشريعة، وهذا مبدأ لا يُنازع عليه، لكن هل ينطبق الحكم على هذه الأوقاف؟ من منظور الشيخ لا تجوز لأنها لأجل تلاوة القرآن في المقابر وتلك بدعة لا تستحق التشجيع، أو لكونها تشتمل على غرر الجهالة، وقد مضى تفنيده

ورفض أن يكون العرف منشأ إجازة عقد الاستصناع بل يرى أنه قيس على السلم، وقد غفل عن أن السلم نفسه عقد استثنائي، والأصوليون لا يتخذون الحكم الاستثنائي أصلاً يُقاس عليه، وإذا كان في السلم ما يعتمد لإجازة الاستصناع فهو تكريس للعرف كأرضية للتشريع؛ ذلك أن النبي قدم المدينة وهي تمتاز عن مكة بأنها بلد تمور وشاهد اضطرار الفلاحين إلى الحصول على أموال مسبقة لتكاليف التمر واستهلاكهم الشخصي وكانوا يأخذون من الراغب في الشراء قسطاً من الأثمان على أن تسدد كمية من التمر بلا تحديد وبحسب سعرها في موسم الحصاد، ثم إن الغَلّة قد لا تأتي موفورة بكمية تساعد على تسديد المبالغ المستسلفة فيحتاجون لتأجيل الدفع لسنة أو سنتين هكذا، مفتوحة، فأقر النبيء له مبدأ العرف تقديراً لضرورات الناس وقيد هذا الأسلوب من التعامل بشروط تحدّد الغَلّة المسلمة وزناً أو كيلاً وتأجيلاً، ولم يكن هذا النوع من تأجيل المثمنات المستحقة ليسمح به لولا الضرورات التي فرضها العرف. واعتبر الفقهاء بيع السلم هذا وضعاً استثنائياً لا يُقاس عليه، ونشأت عن ذلك فرعيات خلافية تؤكد هذا الانحصار الاستثنائي.

والعرف الذي ألجأ الناس إلى التعامل بالسلم على أساس ما أقرته السنة هو منشأ إقرار عقد الاستصناع كما ضبطه الأصوليون، وإذا كان بينه وبين السّلم علاقة فهي استئناس بعبدا إقرار العرف لا القياس، انطلاقاً القاعدة الأصولية: "ماجاء على غير قياس عليه لا يُقاس"

من

ومن الجدير بالذكر أنّ ما عُرف عُرفاً يُعتبر كاشتراط تلقائي، لما للعرف من هيمنة اجتماعية، فمن امتلك متولا في المحلات القديمة في قصور ميزاب يكون على توقع من تواجد مثل هذه النوبات الأوقاف المنزلية موضوع البحث، أو تحديد مستوى إعلاء أسوار السطوح حسب المتعارف عليه كحق للجار بالنسبة لمن ساكنه جنوباً أو غرباً، فإما أن يرتضيه على هذا الشرط ويحق عليه الوفاء أو لا يمتلكه. ومن له أرض فلاحية على ضفاف مجرى الوادي وادي) التيسا أو وادي ميزاب الذي له امتداد عرفي لا يقل عن عشرين متراً عُرضاً، وقد تكون لهذه الأرض فتحات لمسيل الماء فلا يحق له التصرف في غلقها أو تضييقها أو توسيعها، كما ليس له أن يرفع جدار عقاره أكثر من ذراع (50 سنتيماً) إن كان ضمن منطقة مجرى الوادي، وتساهلُ المواطنين وسكوت السلطات عن مراعاة هذه النظم العرفية أنتج أضراراً بالغة وكوارث عانى منها الكثيرون على نطاق واسع. على أن ما له ضرر شخصي للجار كقضية سطوح المنازل يمكن لهذا الجار صاحب الحق أن يتنازل عن حقه بصفة فردية بتعويض أو بغير تعويض. وبالمناسبة أشير إلى ظاهرة كانت شائعة في الماضي ثم تخلى عنها الناس الآن، وهي بيع النوبة الوقف المستولي ممن استثقل أداءه وأراد التخلّص منه لمن شاء أن ينقله إلى عقار له بصفة مؤبدة تحت طائلة

(6)