الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ١٤14
الحروف والأدوات
قلنا أنّ الخليل دخل البصرة وقد اكتملت أدواته العلمية، وتوضّح منهجه في البحث والاستقصاء، على الرغم من أن بعض الكاتبين يرى أنّ الخليل قد أخذ العلم في البصرة بعد قدومه اليها، غير أن أدلّة تاريخية لا يرقى اليها الشك، تثبت هذا الذي قرّرناه، ومن تلك الأدلّة ما يذكره ابن العماد في شذرات الذهب، من أن الخليل حين نزل البصرة كان يعتزم مناظرة الحسن البصري، وجلس مع الجالسين يستمع الى ما يقوله الحسن، وهو ساكت، فسئل عن سكوته، فقال: هو رئيس في مجلسه منذ خمسين سنة فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد (3).
وهذه الواقعة لا تشير الى اكتمال أدوات الخليل العلمية من قبل دخوله البصرة، فحسب، وإنما تشير أيضا، الى خلقه الرفيع، وتواضعه الجم الذي عرف به طيلة حياته .. فهو لا يريد أن يناقش الحسن البصري، إشفاقا على هذا الأخير أن يسقط علميا في عيون مريديه وتلامذته.
ويجدر بنا ملاحظة أن اكتمال الشخصية العلمية للخليل من قبل أن يطرأ على البصرة لا يعني أنه لم يأخذ عن شيوخ البصرة وعلمائها، وإنما يعني أنه جلس الى أولئك العلماء، كما يجلس عالم الى عالم، يستفيد كل منهما من الآخر .. فلم يكن أخذه للعلم أخذ تقليد ومتابعة، وإنما كان أخذ تجديد ومناقشة وحوار وإضافات ثَرَّة، وقد أثر عنه أنه كثيرا ما كان يقول: (كن على مدارسة ما في قلبك أحرص منك على حفظ كتابك).
هذه الميزات النادرة هي التي جعلت منه علما ورأس مدرسة كبرى من مدارس العلم، وأنزله النزيهون من علماء التراث مكانا عليا في نفوسهم وفي توصيفاتهم، واتخذوا منه مثالا يحاولون الوصول الى شيء مما اتسم به من صفات النبل.