كتاب الحروف والأدوات الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي

الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

176

الحروف والأدوات

الشَّفتان، والميم كالياء في الشّدّة وإلزام الشفتين، فكرهوا أن يكون مكانها أشبه الحروف من موضع الواو بالنون، وليس مثلها في اللين والتجافي والمد، فاحتملت الإدغام كما احتملته اللام وكرهوا البدل لما ذكرت لك. وتُدْغَم النون مع الياء بغنَّة وبلا غُنَّة لأنّ الياء أختُ الواو، وقد تُدْغَم فيها الواو فكأنهما من مخرج واحد، ولأنه ليس مُخرج من طرف اللسان أقرب إلى مخرج الرّاء من الياء. ألا ترى أن الألثغ بالرّاء يجعلها ياء، وكذلك الألثغ باللام، لأنّ الياء أقرب الحروف من حيث ذكرتُ لك إليهما. وتكون النون مع سائر الفم حرفاً خفياً مُخْرَجه من الخياشم، وذلك أنها من حروف الفم، وأصل الإدغام الحروف الفم، لأنها أكثر الحروف، فلما وصلوا إلى أن يكون لها مُخرج من غير الفم كان أخف عليهم أن لا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة، وكان العِلمُ بها أنها نون من ذلك الموضع كالعلم بها وهي من الفم، لأنه ليس حرف يخرج من ذلك الموضع غيرها، فاختاروا الخِفّة إذ لم يكن لَبْس، وكان أصلُ الإدغام وكثرة الحروف للفم. وذلك قولك مَن كان، ومن قال، ومن جاء.

وهي مع الراء واللام والياء والواو إذا أُدغمت بغنة فليس مُخرجها من الخياشيم لما جاز أن تُدعمها في الواو والياء والرّاء واللام، حتى تصير مثلهنّ

في كل شيء وتكون مع الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء بيّنةً، موضعها من الفم. وذلك أن هذه الستة تباعدت عن مخرج النُّون وليست من قبيلها، فلم تُخْفَ هاهنا كما لم تُدْغَم في هذا الموضع، وكما أن حروف اللسان لا