الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ١٩٦196
الحروف والأدوات
ولم تكن المضارعة هنا الوجه، لأنّك تُخِلُّ بالصّاد، لانها مُطبقة،
و أنت في صقتُ تضع في موضع السِّين حرفاً أفشى في الفم منها للإطباق، فلمّا كان البيان هاهنا أحسن لم يَجُز البدل.
فإن كانت سين في موضع الصاد وكانت ساكنة لم يَجُز إلا الإبدال إذا أردت التقريب، وذلك قولك في التَّسدِيرِ: التَّرْدِير، وفي يَسدُلُ ثوبه: يَرْدُلُ ثوبه، لأنها من موضع الزاي وليست مُطبقة فيبقى لها الإطباق. والبيان فيها أحسنُ، لأنّ المضارعة في الصّاد أكثر وأعرف منها في السين، والبيان فيهما أكثر أيضا.
وأما الحرف الذي ليس من موضعه فالشّين، لأنها استطالت حتى خالطت أعلى الثَّنِيَّتين، وهي في الهمس والرَّخاوة كالصاد والسين، وإذا أجريت فيها الصوت وجدت ذلك بين طرف لسانك وانفراج أعلى الثَّنِيَّتين، وذلك قولك: أشْدَقُ، فتُضارع بها الزاي. والبيان أكثر وأعرف، وهذا عربي كثير.
والجيم أيضا قد قُربت منها فجعلت منزلة الشّين. من ذلك قولهم في الأجدَر أَشْدَر. وإنّما حملهم على ذلك أنها من موضع حرف قد قُرِّبَ من الزاي، كما قلبوا النُّون ميما مع الياء إذ كانت الياء في موضع حرف تقلب النون معه ميما، وذلك الحرف الميم. يعني إذا أدغمت النون في الميم وقد قرَّبوها منها في افتعلوا حين قالوا اجْدَمَعُوا أَي اجْتَمَعُوا، واجْدَرَءُوا، يريد اجترَءُوا، لما قرَّبها منها في الدال وكان حرفاً مجهوراً، قربها منها في افتَعَلَ لتُبدل الدال مكان التاء، وليكون العَمَلُ من وجه واحد. ولا يجوز أن يجعلها زاياً خالصة ولا الشّينَ، لأَنهما ليسا من مُخرَجها.