الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٢٥الحروف والأدوات
الوزارة في تلك السنة. ونتيجة للحوار بين سيبويه والكسائي في المسألة الزنبورية (كنت أظنّ أنّ العقرب أشدُّ لسعةً من الزنبور، فاذا هو هي، أو: فاذا هو إيَّاها) لم تطب الإقامة لسيبويه في بغداد فغادرها الى الأهواز ومات فيها كمدا. وكان ذلك، كما سبق القول، في حدود سنة 180 للهجرة، وهو ما زال في ريعان شبابه.
وهذا يعني أنّ مدّة بقائه في البصرة لا تتجاوز العشرين سنة بأية حال من الأحوال، على افتراض أنه وصل اليها وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره. أي في حوالي سنة 150 للهجرة. وفي هذه الحالة، سيكون من المستحيل عليه أن يأخذ عن أولئك العلماء جميعا. وإنّما الثابت أنّه أخذ عن الخليل ولزم مجالسه. كما أنّ ثمة شواهد على أنّه أخذ عن يونس بن حبيب. أما الآخرون فليس من شاهد جدير بالاعتبار على تلمذته لهم. ويكفيك أن تقرأ قول سيبويه نفسه: (وهذا قول ابن أبي إسحاق، "يعني يعقوب الحضرمي"، وأبي عمرو، يعني أبا عمرو بن العلاء"، فيما حدثنا يونس) (9). ما يدلّ دلالة واضحة على أنّ سيبويه نقل عن يونس آراء أولئك العلماء، كما نقل عن الخليل بعض أقوال السابقين من الشيوخ والعلماء.
ولقد اعتمد الكتاب الذين وضعوا تلك اللائحة المتضمنة لشيوخ سيبويه، على أنه روى عن أولئك العلماء، فهو، إذن، قد أخذ عنهم! وهذا توجيه غير دقيق، فسيبويه يروي الكتاب عن الخليل، والخليل يروي له بعض ما سمعه من معاصريه من العلماء، كأبي عمرو بن العلاء والأخفش الأكبر وعيسى بن عمر الذي سبق أن ذكرنا مديح الخليل له. وإنما انساق الكتاب
الى ذلك الوهم لأنهم خالوا الكتاب من صنع سيبويه لا من روايته.