الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٢٦٧الحروف والأدوات
267
وتُوصل "إلا" ما بعدها الى ما قبلها على موضع العامل في سياق الاستثناء؛ وذلك قولك: ما أتاني من أحدٍ إلا زيد، وما رأيتُ من أحد إلا زيداً. وإنما مَنَعَك أن تحمل الكلام على " مِنْ" أنه خَلْفٌ أن تقول: ما أتاني إلا من زيد، فلما كان كذلك حَملَه على الموضع فجعله بدلاً منه كأنه قال: ما أتاني أحد إلا فلانٌ. لأن "ما أتاني أحدٌ" و "ما أتاني من أحدٍ" معناهما واحد، ولكن "من" دخلت هنا توكيداً، كما تدخل الباء في قولك: كَفَى بالشيب والإسلام، وفي ما أنت بفاعل، ولست بفاعل.
ومثل ذلك: ما أنت بشيء إلا شيءٌ لَا يُعْبَأُ بِهِ، مِنْ قِبَلِ أَنْ "بِشَيْءٍ" في موضع رفع في لغة بني تميم، فلما قبح أن تحمله على الباء صار كأنه بدل من اسم مرفوع، وبشيءٍ في لغة أهل الحجاز في موضع منصوب. ولكنك إذا قلت: ما أنت بشيءٍ إلا شيء لا يُعبأ به استوت اللغتان. فصارت "ما" على أقيس الوجهين، لأنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يُعْبَأ به، فكأنك قلت: ما أنت إلا شيءٌ لا يُعْبَاً. به.
وتقول: لست بشيءٍ إلا شيئاً لا يُعْبَاً به، كأنك قلت: لست إلا شيئاً
لا يُعْبَأ به، والباء ههنا بمنزلتها فيما قال الشاعر:
إلا يَداً ليست لها عَضُدُ (4)
يَا ابْنَيْ لُبَيْنَي لَسْتُما بيَد ومما أُجْرِيَ على الموضع لا على ما عمل في الاسم: لا أحد فيها إلا عبد الله، فـ"لا أحَدَ" في موضع اسم مبتدإ. وهي ههنا بمنزلة: من أحد، في: ما أتاني. ألا ترى أنك تقول: ما أتاني من أحدٍ لا عبد الله ولا زيدٌ. مِنْ قِبَلِ