الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٢٩٠290
الحروف والأدوات
وإنما فعلوا ذلك بالاستفهام لأنه كالأمر في أنه غير واجب، إذ قد يقع وقد لا يقع، وأنه يريد به من المخاطب أمراً لم يستقر عند السائل. ألا ترى أن جوابه جَزْمٌ. فلهذا اختير النصبُ وكَرِهوا تقديم الاسم، لأنها حروفٌ ضارعت بما بعدها ما بعد حروف الجزاء، وجوابها كجوابه وقد يصير معنى حديثها إليه. وهي غير واجبة كالجزاء، فقَبُحَ تقديم الاسم لهذا. ألا ترى أنك إذا قلت: أين عبد الله آته، فكأنك قلت: حيثما يَكُنْ آته.
وأما الألف (*) فتقديم الاسم فيها قبل الفعل جائز كما جاز ذلك في هَلاً. وذلك لأنها حرفُ الاستفهام الذي لا يزول عنه معنى الاستفهام إلى غيره، وليس للاستفهام في الأصل غيره. وإنما تركوا الألف في (مَنْ)، و (متى)، و (هل)، ونحوهن حيثُ أمِنُوا الالتباس. ألا ترى أنك تُدْخِلُها على (مَنْ) إذا تمت بصلتها، كقول الله عز وجل: أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرُ أم من يَأْتِي عَامِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ (1). وتقول: (أم هل)، فإنما هي بمنزلة (قد)، ولكنهم تركوا الألف استغناء، إذ كان هذا الكلام لا يقعُ إلا في الاستفهام. ههنا بمنزلة (إنْ) في باب الجزاء، فجاز تقديم الاسم فيها، كما جاز في قولك: إن الله أمكنني من فلان فعلت كذا وكذا. ويختار فيها النصب، لأنك تُضْمرُ الفعل فيها، لأن الفعل أولى إذا اجتمع هو والاسم. وكذلك كنت فاعلاً في (إنْ)، لأنها إنما هي للفعل.
فالألف إذا كان معها فعل، بمنزلة لولا وهلاً، فإن شئت رفعت فيها. وهو في الألف أمثلُ منه في (متى) ونحوها، لأنه قد صار فيها مع أنك تبتدئ بعدها الأسماء أنك تُقَدِّمُ الاسم قبل الفعل، والرفع فيها على الجواز.