الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦356
الحروف والأدوات
وتقول: ائتني آتِك، فتجزمُ على ما وصفنا، وإن شئت رفعت على
أن لا تجعله معلقاً بالأول، ولكنك تبتدئه وتجعل الأول مستغنياً عنه. كأنه يقول: ائتني أنا آتيك. ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الأخطل:
وقال رائدُهم أَرْسُوا نُزَاولُها
فكل حلف امرئ تقضي المقدار (46)
وقال الأنصاري:
يا مال والحق عنده فَقِفُوا
كونوا كمن واسى أخاه بنفسه
تؤتَوْنَ فيه الوفاءَ مُعترفا (47)
كأنه قال: إنكم تؤتون فيه الوفاء معترفاً. وقال معروف الدبيري:
نعيش جميعا أو نموتُ كلانا (48)
كأنه قال: كونوا هكذا إنا نعيشُ جميعاً أو نموت كلانا إن كان هذا
أمرنا. ويجوز أن يكون "نعيش " محمولا على "كُونُوا"، كأنه قال: كونوا،
نعيش جميعاً أو نموتُ كلانا.
وتقول: لا تَدْنُ منه يكن خيراً لك. فإن قلت: لا تدنُ من الأسد يأكلك، فهو قبيح إن جزمت، وليس وجه كلام الناس، لأنك لا تريد أن تجعل تَباعُدَه من الأسد سبباً لأكله. فإن رفعت فالكلام حَسَنٌ، كأنك قلت: لا تدنُ منه فإنه يأكلك. وإن أدخلت الفاء فهو حسن، وذلك قولك: لا تَدْنُ منه فيأكلك.
وليس كلُّ موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزاء. ألا ترى أنه يقول: ما أتيتنا فتحدثنا، والجزاء هاهنا محال وإنما قبح الجزم في هذا لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا أدخلت الفاء.