الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٤١١الحروف والأدوات
واعلم أنَّ ما ينتصب في باب الفاء قد ينتصب على غير معني واحد، وكلُّ ذلك على إضمار أن، إلا أنَّ المعاني مختلفة، كما أنّ "يَعْلَمُ الله" يرتفع كما يرتفع يذهب زيد، و"عَلِمَ الله" ينتصب كما ينتصب ذهَبَ زيد، ولكنّ في " يعلم الله" و"علم الله" معنى اليمين.
وتقول: ما تأتيني فتحدِّثَني. فالنصب على وجهين من المعاني:
أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني، أي لو أتيتني لحدثتني. وأما الآخر: فما تأتيني أبداً إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك.
وإن شئت أشركت بين الأوّل والآخر، فدخل الآخر فيما دخل فيه الأول فتقول: ما تأتيني فتحدّثني كأنك قلت: ما تأتيني وما تحدّثني. فمَثَلُ النصب قوله عزّ وجلّ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا (12). ومَثَل الرفع قوله عزّ وجلّ: هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} (13). وإن شئت رفعت على وجهِ آخَرَ، كأنك قلت: فأنت تحدثنا. ومثل
ذلك قول بعض الحارثيين:
غَير أنا لم تأتِنا بيقين
فنُرَجي ونُكْثِرُ التأميلا (14)
كأنه قال: فنحن نرجي. فهذا في موضع مبني على المبتدأ.
وتقول: ما أتيتنا فتحدّثَنا، فالنصب فيه كالنصب في الأول، وإنْ
شئت رفعت على فأنت تحدّثنا الساعة، والرفع فيه يجوز على "ما".