الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٤١٤414
الحروف والأدوات
ولا سبيل هاهنا إلى الجزم مِنْ قِبَل أنّ هذه الأفعال التي يدخلها الرفع والنصب والجزم، وهي الأفعال المضارعةُ، لا تكون في موضع إفْعَلْ أبدا، لأنها إنما تنتصب وتنجزم بما قبلها، وإفْعَلْ مبنية على الوقف. فإن أردت أن تجعل هذه الأفعال أمراً أدخلت اللام، وذلك قولك:
ائتِهِ فَلْيُحَدِّثْك، وإذا أردت المجازاة قلتَ: فَيُحَدِّثَكَ.
وتقول: ألستَ قد أتيتنا فتحدّثنا، إذا جعلته جواباً ولم تجعل الحديث
وقع إلا بالإتيان، وإن أردت فحدثتنا رفعت.
وتقول: كأنك لم تأتِنا فتحدّثنا، وإن حملته على الأول جزمت.
وقال رجل من بني دارم:
كأنك لم تذبح لأهلِكَ نَعجةً
فيُصبحَ مُلقى بالفناء إها بها (22)
وتقول: وَدَّ لو تأتيه فتحدِّثَه. والرفع جيّد على معنى التمني. ومثله
قوله عزَّ وجلَّ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (23).
وتقول حسبتُه شَتَمَني فأتِبَ عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعاً. ومعناه: أن لو شتمني لَوَثَبْتُ عليه. وإنْ كان الوثوبُ قد وقع فليس إلا الرفع. لانّ هذا بمنزلة قوله: ألستَ قد فعلت فأفعلُ.
واعلم أنك إن شئتَ قلتَ: اثْتِني فأحدثك، ترفع. وذلك أنك لم تُرِدْ إِنْ أن تجعل الإتيان سبباً لحديث، ولكنك كأنك قلت: ائتني فأنا ممن يحدثك